قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

اختار الله عز وجل العرب ليكونوا حملة رسالته ومستودع أمانته، واصطفى منهم أفضلهم خلقاً وأشرفهم نسباً ليكون النبي الأمين وسيد الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه و سلم)، وكان العرب يتميزون عن غيرهم من الأمم بتشبعهم بمكارم الأخلاق وجميل الصفات، فقد كانوا أهل شجاعة ونبل وكرم، ولعل هذه الأخلاق الحميدة والمزايا الجليلة هي من بقايا دين إبراهيم (عليه السلام)، الذي وصفه الله تعالى بالكرم في قوله ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ الذاريات: 24 - 26.

ويذهب البعض إلى أن عبادتهم للأصنام كان سببها إسرافهم في تعظيم الكعبة، فكانوا "يحملون معهم بعضاً من أحجارها في أسفارهم، فيضعونه حيث ينزلون ويطوفون عليه كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبد الكثير منهم الأوثان (1).

"لم يكن العرب قبل ظهور الإسلام أهل فكر وثقافة، بل كانوا اتباع شهوات جامحة من أثرة وجشع ورياء وتهارش وحقد وعصبيات طائشة. لقد اكتسحتهم عاصفة الأهواء وأغرقهم طوفان شهواتها، فأصيبت أفكارهم بالشلل، ووسط هذه الجهالات المركبة والنماذج التي لا حصر لها من الضلال والغفلة أخذ الإسلام رويداً رويداً ينشر أشعته، فأخرج تلك الأمة من الظلام إلى النور وجعلها مصباحاً وهاجاً يضيء ويهدي، ورفع تلك القبائل من سفوح الغرائز إلى قمم الهمم والأفكار (2).

(1). ابن هشام "السيرة النبوية" ص40.

(2) محمد الغزالي "فقه السيرة" ص21 - ص22 بتصرف.

٥ / ٢٦٦