قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦وقد ساهمت بساطة العرب الفطرية وصفائهم العقلي المفرغ من المعارف والمناهج المعقدة، وعدم إيغال الخرافات الوثنية في نفوسهم في ترسيخ صورة الإسلام الصحيح فيهم، فلم يكن هناك كثير اصطدام بين الموروث الفكري لديهم وبين هذا النور الجديد بعقيدته الشفافة التي ذابت في تكوينهم.
وقد انتشر الإسلام انتشاراً سريعاً وهائلاً في أرجاء المعمورة، ودخلت فيه شعوب وأمم مختلفة، تلك الشعوب والأمم كان لها تاريخ فكري وإرث ثقافي من حكمة وأمثال وشعر وأدب وعلوم مدونة وكتب مطولة –كما هو الحال عند اليهود والنصارى والزرداشتية والمزدكية والفلاسفة- ومنهم من مارس البحث العلمي والتنظير الفلسفي، فلما دخلوا في الإسلام بدءوا يطبقون تلك المناهج التي ورثوها من آبائهم على الفكر الجديد الذي يحمله الإسلام.
"حتى العقيدة عند بعض المسلمين لم تخل من تأثير تلك المواريث، والمستقصي لتاريخ المسلمين وعقائدهم يدرك أن الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى الغنية بالمواريث الثقافية لم يفهموه بحذافيره كما فهمه العرب الفقراء إلى التاريخ والثقافة، فقد فهمه كل قوم مشوباً بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، فصورة الإله عند النصراني غير صورته عند الفارسي، والتي هي بالطبع غير الصورة التي عند اليهودي أو الرومي أو الوثني، وكذلك الألفاظ المستعملة في الديانات كجهنم والجنة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي ونحو ذلك من معان عند هؤلاء تخالف المعاني التي يتصورها الآخر" (1)
وهذا التأثير لم يكن محدود الزمن بل استمر إلى فترات متأخرة، ومنها ما هو باق إلى زماننا هذا، والشواهد على ذلك كثيرة، ومن ذلك ما ذكره ابن بطوطة (ت 779هـ) في رحلته من أن أهل بلدة (إيوالاتن) الإفريقية "لا غيرة عند رجالهم، ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه، وذلك شيء ما رأيته قط إلا عند كفار المليبار، وأما هؤلاء فمسلمون، محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن، وأما
(1) أحمد أمين "فجر الإسلام" ص94 بتصرف.