قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩١

وقد ذكر متأخري أهل الحديث الذي تأثروا بالمدرسة الأشعرية هذه القواعد، ومن ذلك قول الخطيب البغدادي (ت 463هـ): "ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل مقطوع به" (1)، ونقل السيوطي (ت 911هـ) موافقة ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) لقول الخطيب البغدادي السابق (2). وقال ابن الجوزي الحنبلي (ت 597هـ): "المستحيل لو صدر عن الثقات ردّ ونسب إليهم الخطأ. ألا ترى أنه لو اجتمع خلق من الثقات فأخبروا أن الجمل قد دخل في سم الخياط لما نفعتنا ثقتهم ولا أثرت في خبرهم، لأنهم أخبروا بمستحيل، فكل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره، وأعلم أنه قد يجيء في كتابنا هذا من الأحاديث ما لا يشك في وضعه، غير أنه لا يتعين لنا الواضع من الرواة، وقد يتفق رجال الحديث كلهم ثقاة والحديث موضوع أو مقلوب أو مدلس" (3)، وقال ابن كثير (ت 774هـ): "معرفة الموضوع المختلق المصنوع وعلى ذلك شواهد كثيرة منها … مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة" (4).

بيد أنا للأسف لم نجد لهؤلاء جهداً عملياً في نقد متون الروايات إذا صح سندها، وخاصة تلك التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم.

وإلى أن تُرجع الأمة هذا الكم الهائل من الروايات الآحادية التي أثقلها بها أهل الحديث إلى القواعد الكلّية "سيظل الاختلاف والافتراق بين الأمة، فليس من المبالغة القول أن الجمود الفكري والفقهي المتمثل بالعجز عن تطوير المؤسسات التربوية والإقتصادية والسياسية، والتراجع المخزي في قدرات العقل المسلم الإبداعية والإبتكارية المتمثل بالتخلف التقني والتنظيمي والتخطيطي يرجع إلى هيمنة العقلية النصوصية التي تكبل العقل المسلم وتحجّم مخياله، لذلك فإننا نرى إن تحرير العقل المسلم من المنهجية النصوصية وربطه بالرؤية القرآنية

(1) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص432.

(2) السيوطي "تدريب الراوي" ج1ص325.

(3) ابن الجوزي "الموضوعات" ج1ص65

(4) أحمد شاكر "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير" ص74.

٩١ / ٢٦٦