قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٣قراءة في منهج أهل الحديث
يقوم منهج أهل الحديث في مجمله على التعامل التجزيئي النصوصي في استنباط الاحكام الفقهية، ويتمثل ذلك في اختزال التعامل مع القضايا المطروحة وفق النصوص الجزئية والتي هي في معظمها روايات آحادية، دون مراعاة للقواعد الكلّية التي تحكم تلك النصوص الجزئية، وقد استطاعت هذه الممارسة التجزيئية التسرب إلى المدرسة الفقهية من خلال الإمام الشافعي ومقولته المشهورة: "اذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط" (1). فقد سببت مقولة الشافعي لبساً كبيراً في أذهان كثير من الفقهاء بين مفهوم الحديث وارتباطه بالسنة، ومعلوم لدى فقهاء الأمة أنه لا يجوز مخالفة سنة النبي (صلى الله عليه و سلم) إلا أن ذلك لا ينسحب على الروايات الآحادية المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) التي يعبر عنها أهل الحديث بـ "الأحاديث"، وهذا اللبس جعل الكثير من الفقهاء يتوهمون أن الرواية الآحادية الصحية السند تمثل السنة!، فيمتنع الاجتهاد في حضورها، ويجب إنزال حكمها ومدلولها على الحوادث المختلفة دون اعتبار للأبعاد الزمانية والمكانية!.
إلا أن المدرسة الفقهية التي تعتمد القواعد الكلّية في محكامتها للروايات الآحادية واستنطاق الاحكام المختلفة وإنزالها على الواقع حاولت مواجهة مدّ المنهج النصوصي التجزيئي لأهل الحديث، وكان أبو حنيفة من أكثر الفقهاء الذين واجهوا هذا المنهج، مما حدى بأهل الحديث إلى مهاجمته وتكفيره!، يقول ابن عبد البر: "إن كثيراً من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذاً" (2). وقال: "وأما سائر أهل الحديث فهم أعداء لأبي حنيفة وأصحابه" (3)، ويذكر محمد بن عبد الوهاب موقف أحمد بن حنبل من أبي حنيفة قائلاً: "ولما أخذ بعض أئمة الحديث كتب أبي حنيفة
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص35.
(2) ابن عبد البر "الإنتقاء" ص149.
(3) ابن عبد البر في "الانتقاء" ص203. راجع عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص79.