قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٤هجره أحمد، وكتب إليه إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك" (1)، ونقل العقيلي طعن أحمد بن حنبل في أبي حنيفة وأصحابه وقوله فيهم: "أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء" (2). ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه "السنة" تكفير حماد بن سليمان لأبي حنيفة: "قال لي حماد بن سليمان اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة" (3)، ونقل فيه قولهم: "ما ولد في الإسلام مولود أشأم عليه من أبي حنيفة" (4)، وفيه أيضاً: "أبو حنيفة هذا، والله إني لأرجو أن يدخله الله عز وجل نار جهنم". (5)
ولم تكن المدرسة الفقهية الإباضية بمعزل عن هجوم أهل الحديث، وذلك أن هذه المدرسة حسب تعبير الشهرستاني: "أشد الناس قولاً بالقياس" (6)، والقياس عندهم يعتمد على عرض القضايا على القواعد الكلّية المتسنبطة من النصوص المحكمة من الكتاب والسنة المجتمع عليها، فعلى سبيل المثال استخرج زهران المسعودي في كتاب "الجامع" لابن بركة (ت 362هـ) سبعة وخمسين قاعدة فقهية كلية، وستة وسبعين ضابطاً كلياً، بالإضافة إلى القواعد والضوابط الكلّية التي لم يذكرها ابن بركة بالنص، ولكن يمكن استخراجها بالإستقراء (7)، والمستقريء لمؤلفات الإباضية الأوائل يجدهم يردون كثيراً من الروايات الآحادية مع صحة اسانيدها لعدم توافقها مع القواعد الكلّية التي رسختها النصوص القطعية المحكمة.
هذا المنهج الفقهي المتقدم جعل أهل الحديث يصنفون الإباضية ضمن فرق الخوارج "الأزارقة والنجدات والصفرية والبيهسية"، مع أن الإباضية لا يقولون بأن المسلم العاص خارج من الملة مباح الدم كما يقول الخوارج، بل هم يحرّمون دماء أهل القبلة مهما اختلفوا معهم في
(1) محمد بن عبد الوهاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص35.
(2) العقيلي في كتابه "الضعفاء الكبير" ج1ص23 في ترجمة أسد بن عمرو البجلي.
(3) كتاب "السنة" لعبدالله بن أحمد بن حنبل ص184.
(4) كتاب "السنة" لعبدالله بن أحمد بن حنبل ص187.
(5) كتاب "السنة" لعبدالله بن أحمد بن حنبل ص223.
(6) الشهرستاني "الملل والنحل" ص134.
(7) زهران المسعودي "الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية" الفصل الثاني ص131 - 276.