مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢وأثرى علماءُ الإسلام المكتبةَ الإسلاميَّة بصنوف المؤلَّفات في علوم الحديث، وازدهرت المكتبةُ الإسلاميَّة بهذه الكنوز التي تضافرت لخدمة السنَّة المطهَّرة روايةً ودراية، من علوم المصطلح والرجال، والجرح والتعديل، وتدوين السنَّة، وشروح الحديث، وبيان الغريب ومُشكل الآثار.
وكان من جملة هذه العلوم «علمُ مختلِف الحديث»، أو «مختلَف الحديث»، باسم الفاعل واسم المفعول.
وهو علمٌ بالغ الأهميَّة يُعنىَ بإزالة التعارض الظاهريِّ بين نصوص الحديث النبويِّ، بعد التثبُّت من صحَّة سندها، وصدق نسبتها إلى رسول الله ح، وعليه تُبنى عمليَّة الاجتهاد لاستنباط الأحكام من السنَّة النبويَّة، باعتبارها ظلَّ القرآنِ في تشريع الأحكام. ومشكاتَها من وحي الله، وإن كانت وحيًا غير مَتْلوٍّ، كما تقرَّر لدى علماء الأصول.
ومعلومٌ من قواعد الاجتهاد أنَّ الفصل بين النصوص عند تعارُض دلالاتها وبيان معناها الشامل؛ من أصعب مهامِّ المجتهدين، ولذلك قال فيه الإمام النووي: «وإنَّما يكمُل له الأئمَّة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليُّون الغوَّاصون على المعاني»(1).
ولأجل أهميَّة هذا العلم عُني به علماءُ الإسلام من محدِّثين وأصوليِّين، وفقهاء مجتهدين، وأفردوا له مؤلَّفات مستقلَّة، صنيعَ الشافعيِّ في كتابه «اختلاف الحديث»، إذ أورد فيه نماذج من الأخبار المتعارضة، ووَفَّق بينها حسب قواعد الاجتهاد والترجيح.
واشتهر في هذا الباب كتابُ ابن قتيبة الدَّيْنَوَري «تأويل مختلف الحديث»، وكتابُ أبي جعفر الطحاوي «مشكل الآثار»، وهو كتاب جامع، وصِيتُهُ بين أهل العلم ذائع.
كما تخلَّل الحديثُ عن مُشكل الحديث كتبَ الفقه والحديث المختلفة، صنيعَ ابن عبد البرِّ، وابن رجب، وابن حجر في مؤلَّفاتهم، وغيرهم كثير. كما نجده مبسوطًا في مباحث الفقه المقارن، وأسباب اختلاف الفقهاء.
(1) الإمام النووي، تدريب الراوي، ج2، ص175.