مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣وفي ساحة الأصوليين نجد أثر العلم واضحًا في مباحث التعارض والترجيح، جمعًا بين الأدلَّة عند الإمكان، أو ترتيبًا بينها لإزالة هذا التعارض ليخلُص إلى التوافق والانسجام.
وكان للإباضيَّة في هذا المضمار إسهامٌ طيِّب في ميدان الفقه والأصول، وإن لم يُفردوه بكتابٍ مستقلٍّ ضمن علوم الحديث.
واللافتُ للنظر أنَّ منهج الإباضيَّة في معالجة مُختلف الحديث ظلَّ مغفلاً ومجهولاً من قِبل جمهور علماء المسلمين، بله عامَّة المتعلِّمين، حتَّى قيَّض الله رجالا مخلصين للتعريف بهذا التراث الإسلامي الأصيل، عملاً بالقاعدة الثلاثية الحكيمة: «المعرفة والتعارف والاعتراف»، إذ يعرف كلُّ أتباع مدرسة فقهيَّة ما عند المدرسة الأخرى، ويتعارفون بعد ذلك، ويعترف كلٌّ لصاحبه بإسهامه وجُهده، دون إقصاءٍ ولا انتقاص، فكلُّهم من مشكاة القرآن مُقتبسٌ، وكلُّهم من رسول الله مُلتمِس.
وفي هذا المضمار، جاء هذا السِّفر القيِّم لأخينا الأستاذ الفاضل، الدكتور خلفان بن محمَّد المنذري، إذ قضى بضع سنين باحثًا متفرِّغا للكشف عن معالم فقه الإباضيَّة، وبيان منهج علمائهم في معالجة مختلف الحديث، وما كان له من أثر في تراثهم الفقهي، وهو تراثٌ أصيلٌ ثريٌّ، ورافدٌ يُغني المكتبة الإسلاميَّة بلا ريب.
وهذا المؤلَّف أنجزه الباحثُ ضمن رسالة دكتوراه في علوم الحديث، بكليَّة دار العلوم بالقاهرة، تحت رعاية علاَّمةٍ جهبذ هو الدكتور محمد البلتاجي حسن، فكان بها صاحبُها أهلاً لمزيدِ الغوص لاستجلاء غوامض هذا العلم ودُرره ضمن نتاج المدرسة الإباضيَّة، والإفادة منه في مسار بعث الفقه الإسلاميِّ المقارن لحاجة الناس إليه في واقعنا المعاصر.