الإعجاز الخبري لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٤فانطلق المسلمون في أرجاء الأرض حاملين معهم لواء دعوة الحق ، وأطاحوا بالإمبراطورية الأولى في العالم آنذاك ، كما قضوا على السلطة القيصرية في أكثر مستعمراتها ، وكادوا يأتون عليها في كل مكان ، وأذاقوا الشعوب المقهورة المحرومة التي كانت تئن تحت وطأة الظلمة وسياط العسف والجور نعمة العدل والحرية والكرامة وعندما جاء الخليفة الراشد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بخزائن كسرى وتاجه وسواريه دعا بسراقة وألبسه السوارين تحقيقا لما وعد به الرسول (عليه أفضل الصلاة والسلام) ، فمن الذي يصدق أن هذه الشراذم القليلة سوف تواجه في آن واحد أكبر دولتين في ذلك الوقت مثلهما كمثل روسيا وأميركا في عالم اليوم وتتغلب عليهما لولا أن الأمر أمر إلهي والوعد وعد رباني ؟ ولو قال قائل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستدل بقرائن الأحوال لما يقوله شأن الأذكياء النابهين فإن ذلك يرده أن موازين العقل ومقاييس التجارب تقضي باستحالة أو شبه استحالة تحقق تلك الوعود ، كيف لهذه الأعداد القليلة من المؤمنين أن تواجه الدول الكبرى من غير أن تسند ظهرها إلى دولة ذات قوة كقوتها ؟ فمن يصدق في عصرنا هذا أن جزيرة العرب مع ما يفيض فيها من الثراء ويتفجر منها من الطاقة تستطيع أن تتحرش بإحدى الدولتين الكبريين في هذا العصر بغزوها في عقر دارها اعتمادا على قوتها فضلا عن التحرش بهما معا ؟ مع أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين رفعوا لواء الجهاد لم يجمعوا قواهم لغزو دولة واحدة فحسب حتى يتغلبوا عليها ثم ينقلبوا إلى غيرها ، بل انقسموا لتواجه طائفة منهم هذه القوة وتواجه الطائفة الأخرى القوة الأخرى.