الإعجاز الخبري لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٣فعندما خرج صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة ومعه الصديق (رضي الله عنه) وكان المشركون يكادون يأخذون عليهما جميع المسالك بالرصد والتتبع ، إذ كانوا يعدون من يأتيهم به حيا أو ميتا بمائة قلوص ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظات الحاسمة ينظر إلى وعد الله القاطع بالنصر والتمكين وظهور هذا الدين على كل دين ، حتى كأنه من ثقته بهذا الوعد ينظر إلى الموعود به أمام ناظريه ، وعندما لحق به سراقة وصده الله تعالى عنه وطلب منه كتاب الأمان قال النبي صلى الله عليه وسلم (كيف بك إذا لبست سوار كسرى ؟) إن كل لبيب ليدرك بأدنى تأمل أن هذا المنطق ليس منطقا بشريا عاديا وإنما هو منطق النبوة الخالدة والرسالة الصادقة ، فالبشر العادي في مثل هذه الساعات الحرجة تضيق به الأرض بما رحبت ، وتتبخر آماله ، وتتصدع عزائمه ، وتتلاشى هممه ، كيف وهو (عليه أفضل الصلاة والسلام) تلفظه أرضه التي هي مسقط رأسه ومنبت أبائه ، ومسرح خيالاته ، ويخرج منها مع أحد أصحابه يقطعان رحلة الصحراء تزيد عن أربعمائة وخمسين كيلو مترا ، ويكاد يكون على كل تلعة أو هضبة رصد من المشركين ، فضلا عن الأفواج التي خرجت من ورائهما آملة اللحاق بهما ، فكيف يداعب خياله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة أمل أن تفتح لأصحابه ممالك كسرى ، حتى يلبس رجل عادي لا يزال في ذلك الوقت على ملة الجاهلية سواري كسرى ؟ وإنما ذلك تعبير منه صلى الله عليه وسلم عن وعد الله الذي لا تبديل لكلماته ولا اختلاف لميعاده . ولقد أنجز الله تعالى هذا الوعد.