بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٨٢فإذا حافظ العبد على تلاوة كتاب ربّه - عز وجل - وحفظه بكلّ تركيز وتمعّن، فإنّ ربّه سيحافظ عليه كما حافظ هو على كلامه، فلا يتركه فريسة لتلك الأوهام والخواطر والوساوس التي تحطّم نفسه وتضعفها، بل سيهديه ويوفّقه، ويملأ نفسه رضا، ويبعث فيه الهدوء النفسي والطمأنينة القلبيّة التي هي أساس الحفظ والتركيز والفهم، وهذا ما أظهرته كثير من البحوث والدراسات التي قام بها العلماء في هذا الميدان، خاصّة الإمام الغزالي، ــ ولو أنّ التجارب في ميدان تأثّر النفوس بالقرآن وتغيّرها ما زالت ضعيفة جدّا ــ.
فالقرآن كريم يكرم المحافظ على تلاوته، ويمدّه بقوّة نفسيّة يحفظ له بها قواه العقليّة والتفكيريّة، ويرفع له من قيمته، بأن يُبقي له تلك القوى صحيحة، بحيث تؤدّي دورها إلى آخر عمره، حتّى لا يصبح مسخرة، وحاشا أن يصبح الحافظ للقرآن الكريم مسخرة وهو شيخ هرم.
العلماء ودراسة النفس البشريّة
لقد بيّن العلماء السلوك النفسي السويّ الذي هو أساس الحياة الطيّبة، مهتدين في ذلك بكتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد برعوا في تبيين حقيقة النفس وأقسامها وخصائها وأوصافها وصفاتها والأمراض التي تصيبها والآفات التي تتعرّض لها، والنقائص التي تؤثّر فيها، مثل العجب والغرور والحرص، ثمّ بيّنوا العلاجات الروحيّة لهذه الأمراض والآفات من آيات الله - سبحانه وتعالى -، ومن الهدي النبوي.
فقد بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه مكوّنات هذه النفس سواء بما أنزل إليه من كلام ربّه، أو بما بيّنه له ربّه وأخبره به، وترك لأصحابه وللمسلمين حصيلة واسعة، سواء نظريّة أو تجريبيّة، التي بيّنها لهم - صلى الله عليه وسلم - نتيجة للتجربة والمعاناة والمعايشة والتطبيق، ومن هنا اطمأنت نفوسهم، وارتاحت ضمائرهم، وحسنت أعمالهم، واعتدلت شخصياتهم، وقويت نفوسهم، فصاروا يحيون هذه الحياة بصفة روحية وعلميّة.