بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠«إنّ الفاصلة القرآنيّة ترد وهي تحمل شحنتين في آن واحد، شحنة الوقع الموسيقي، وشحنة من المعنى المتمّم للآية».
ولو أمعنّا النظر جيّدا في فواصل القرآن، واستعملنا الفكر فيها، ودرسنا الحروف التي يكثر ورودها ومجيئها فيها، ولا سيما في خاتمتها، لوجدنا حروف النون والميم والألف والواو والياء.
وهذه الحروف تحمل لحنا إيقاعيّا لا يتوفّر في الحروف الأخرى، ثلاثة منها هي حروف تستعمل كمدود، وتقابل تسميّة الإطلاق في البيت الشعري، وحرفان مخرجهما سهل، فيهما غنّة محبّبة، تساعد على إخراج صوت محبّب من الأنف، وتلك هي شحنة النغم.
وهناك حروف أخرى كثيرة ترد كذلك في نهاية الآيات، ولكن نحن نذكر هنا الأحرف الغالبة الكثيرة الورود.
أمّا قوّة المعنى التي تنبعث من تلك الفاصلة فإنّها تظهر بارزة عند إمعان النظر في الآية بأكملها، وما تحمله من فكر، يقصد ربّنا تبيانه بواسطتها.
ونجد كلّ آية انتهت بفاصلة ملائمة كلّ الملاءمة لمعناها، مستقرّة في قرارها، مطمئنّة في مكانها، غير نافرة ولا قلقة، ولكن الأفكار قد تتضاءل عن إدراك سرّها.
ولذلك جعلها الله - عز وجل - على هذا المنوال لتكون استراحة للذاكرة بعد أن يقرأ القارئ الآية كاملة ويستعمل فيها فكره جيّدا، ويفهم معناها، ويصل إلى آخرها، ويجد تلك النهاية (الفاصلة) التي تنتهي بها وتلائم معناها، والتي هي عبارة عن جرس فنّي تجد فيه خلايا المخّ نوعا من الراحة، ولو قصيرة جدّا جدّا، فيستأنف قراءة الآية التي تأتي بعدها بقوّة جديدة وبنفس آخر جديد، ويحاول أن يفهم المعنى الجديد الذي تأتي به، فيكون ذلك سببا لفهمها فهما جيّدا.