بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢فعن الأصمعي أنّه قال: قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت: ﴿والله غفور رحيم﴾ سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد، فأعدت: ﴿والله غفور رحيم﴾، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبّهت، فقلت: ﴿والله عزيز حكيم﴾، فقال: أصبت، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمت أنّي أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزَّ، فحكم، فقطع، ولو غفر، ورحم لما قطع.
وتروي الأخبار أنّ أعرابيّا سمع قارئا يقرأ:
- ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ … [البقرة ــ 209]
وعوض أن يقرأ عزيز حكيم، قرأ: غفور رحيم.
وكان الأعرابيّ لا يحفظ شيئا من القرآن، ولكنّه عربيّ صاف أصيل، يدرك مقاصد اللغة العربيّة بالسليقة، وما يجب أن تكون عليه أساليبها. فقال:
إن كان هذا كلام الله فلا تكون النتيجة هكذا، إنّ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنّه إغراء عليه، وعاد القارئ إلى القراءة لينظر أكان مصيبا أم مخطئا، فوجد نفسه على خطأ، فالآية انتهت بقوله - عز وجل -:
- ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
وقال المفسّر الشيخ ﴿الطاهر بن عشور﴾ في تفسيره: التحرير والتنوير:
«إنّ هذه الفواصل تعتبر من جملة المقصود من الإعجاز العلمي لأنّها ترجع إلى محسّنات الكلام، وهي من جانب آخر تعتبر من فصاحة الكلام، فمن الغرض البلاغي الوقوف عند الفواصل لتقع في الأسماع، فتتأثّر نفوس القارئين والسامعين بمحاسن ذلك التماثل، كما تتأثّر بالقوافي في الشعر، وبالأسجاع في الكلام المسجوع».
ونقول لهذا المفسّر الكبير بارك الله فيك، فكلّما ذكرته من هذه الأغراض لها كذلك تأثير إيجابي كبير على القوى الفكريّة، ولها استجابة حسنة لما يقع فيها من محاسن ذلك التماثل.