بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٠«أوّل ما يلاقيك ويسترعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم، خاصيّة تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
دع القارئ مثل ﴿عبد الباسط أو السديس﴾ يقرأ بقواعد التجويد، ويرتّله حقّ ترتيله، ثمّ انتبذ منه مكانا قصيّا، لا تسمع فيه إلى جرس حروفه فقط، ولكن تسمع كذلك حركاتها وسكناتها، ومدّاتها وغنّاتها، واتصالاتها وانقطاعاتها، ثمّ الق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتيّة، وقد جُرّدت تجريدا في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب، لا تجده في كلام آخر مهما كان نظمه، أو جُِوّد هذا التجويد.
سوف تجد اتسّاقا وائتلافا يسترعي من سمعك ونفسك ما لا يسترعيه أيّ كلام آخر منظوم من شعر أو موسيقى أو أيّ فنّ من الفنون، على أنّه ليس بأنغام الموسيقى، ولا بأوزان الشعر، ذلك أنّك حين تسمع القصيدة من الشعر، فإذا هي تتّحد في أوزانها، بيتا بيتا، وشطرا شطرا، فلا يلبث سمعك أن يمجّها، وطبعك أن يملّها إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد.
بينما أنت من القرآن الكريم أبدا في لحن متنوّع ومتجدّد، تنتقل فيه بين أوتار وأوزان وفواصل، وذلك على أوضاع مختلفة يأخذ منها كلّ وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا تملّ منه على كثرة ترداده ولا تسأم، بل لا تفتأ، ولا تلبث تطلب منه المزيد».
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
«وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه». … رواه الترمذي
هذا الجمال الصوتي التوقيعي الذي ضمّنه ربّنا - عز وجل - في كلامه الكريم لا يخفى على أحد ممّن يسمعه، ولو كان من الذين لا يعرفون اللغة العربيّة.