بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٨«إنّ العرب أمّة جُبلت على ذكاء القرائح وفطنة الأفهام، فعلى دعامة فطنتهم وذكائهم أقيمت أساليب كلامهم، وبخاصّة كلام بلغائهم، ولذلك كان الإيجاز عمود بلاغتهم، لاعتماد المتكلّمين على أفهام السامعين، لأجل ذلك كثر في كلامهم المجاز، والاستعارة، والتمثيل، والكناية، والتعريض، والاشتراك، والتسامح في الاستعمال كالمبالغة، والاستطراد، ومستتبعات التراكيب، والأمثال، والتلميح، والتمليح، واستعمال الجملة الخبريّة، واستعمال الاستفهام في التقرير أو الإنكار، ونحو ذلك».
هذا من كلام البشر الذين لا يستطيعون أن يستوعبوا ويطّلعوا على كلّ أفهام بني جنسهم، والأساليب التي يتأثّرون بها أكثر من غيرها، فهم يحاولون قدر المستطاع أن يستميلوا إليهم السامعين، حتّى يفهموا كلامهم ويتأثّروا به، فكيف به خالق هؤلاء البشر الذي لا تخفى عليه خافيّة، صغيرة كانت أو كبيرة، فهو خالقهم، ويعلم ما يعجبهم من الخطاب، وما لا يعجبهم، فأنزل كتابه القرآن الكريم على حسب ما يفهمون وما يميلون إليه بطبيعتهم.
أنزله على الأسلوب الذي يُعملون به عقولهم إذا اهتموا به وتدبّروه وحاولوا فهمه قدر المستطاع، ففيه كلّ الأساليب والخطابات التي تليق بتدريب وبتنميّة ذاكرتهم، ولتنشيط خلايا مخّهم، فتتأثّر بذلك قلوبهم، وتطمئنّ نفوسهم، فيهتمّوا بالبحث في مختلف مجالات العلم والثقافة، حتّى يحقّقوا لهذه الأمّة مكانتها العلميّة العالية التي أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يكون عليها المسلمون.
ويقول المثل: إنّ أمّة تقرأ هي أمّة تحيا.
والقرآن الكريم تنزيل من علاّم الغيوب، وقد أراد - سبحانه وتعالى - أن يجعله آية على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتحدّى به بلغاء العرب بأن يعارضوا أقصر سورة منه، فقد نسج نظمه نسجا بالغا في منتهى ما تسمح به اللغة العربيّة من الدقائق واللطائف لفظا ومعنى ومقصدا، بما يفي بأقصى وأرقى بلاغة إلى المنزّل إليه.