بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٩لقد جاء القرآن الكريم على أسلوب أبدع وأعجب ممّا كانوا يعهدون، وهو من جانب إعجازه يحمل أكثر من معنى من المعاني المعتادة التي يودعها البلغاء في كلامهم.
فلا غرو أن نقول بأنّ الله - عز وجل - أنزله على هذا الأسلوب، ليجعله غذاء ذهنيّا ممتازا، تتمرّن به كلّ عضلات المخّ، فتصبح قويّة صالحة لاستيعاب العلوم المختلفة الأخرى.
وهو لكونه كتاب تشريع وتأديب وتعليم، كان حقيقا بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ممّا تحتمله الألفاظ في أقلّ ما يمكن من المقدار، خاصّة وقد أنزله خالق اللغة، وخالق التعبير، وخالق آلة اللغة والتعبير. … وهو القائل - عز وجل -:
- ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ … [الروم ــ 22]
وهو أحقّ أن يودع فيه من المعاني كلّ ما يحتاج السامعون إلى علمه، وكلّ ما له حظّ من البلاغة، ويؤثّر على القوى العقليّة.
وإنّ أوّل ما يلفت عقل القارئ والمتدبّر لكتاب الله الحكيم صفة التذكير لقارئه وسامعيه، والتي هي من صفاته الفريدة المميّزة لأسلوبه في عرض قضاياه وإيصال رسالته، إذ يتألّف الخطاب القرآني من عبارات تثير في نفس القارئ المخلص صورا ومشاعر وأفكارا تدعوه إلى استعمال قواه العقليّة التي يتأمّل بواسطتها الأحداث، وينظر بها إلى المواقف التي يريد القرآن إبرازها، وهي تدفعه في كلّ مرّة إلى تعميق تفكيره أكثر وأكثر في بداية أفعاله ونتائجها.
ذلك أنّ القرآن الكريم لا يقوم بسرد القصص والأخبار سردا، ولا يطرح قضاياه على شكل جمل مفصّلة، تقود القارئ مباشرة نحو النتائج، بل يختار عبارات مفتاحيّة تدفع العقل المتدبّر إلى التأمّل العميق والنظر المدقّق لفهم مقاصد الخطاب وغايات العبارات.