فتوى في الصراط أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتوى سماحة الشيخ في الصراط

الجزء ١ · صفحة ٥

وبعد هذا الحديث المسهب عن هؤلاء الكفار الذين يُنكرون البعث يتمردون على الفطرة وجه إليهم الخطاب لأن صورهم صارت مستحضرة لسامع هذا الخطاب، فوجّه إليهم الخطاب بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربِّك حتماً مقضيا﴾، وهذا يسمى التفاتاً في عُرف علماء البلاغة وله نكتة عامة، وتصحب أحياناً هذه النكتة العامة نُكت خاصة فنكتته العامة تطربة الكلام؛ لأن من شأن السامع أن يمل الكلام إذا استمر على أسلوب واحد، ويتجدد نشاط السامع كلما تجدد الأسلوب، والنكت الخاصة متنوعة بحسب المقامات، والنكتة هنا أن بعد ما وُصِف هؤلاء بما وُصِفوا به وذُكِّروا به استحضرت أذهانهم عند السامعين فكانوا جديرين بأن يوجه إليهم الخطاب بأسلوب المخاطبة لا بأسلوب الغيبة كما كان الخطاب من قبل، والالتفات معهود عند العرب، وللقرآن الكريم منه النصيب الأوفر؛ بل جاء في سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب والتي تُعدُّ من حيث كثرة الكلمات والحروف من قصار السور، فالله سبحانه وتعالى يقول فيها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين﴾؛ لقد كان السياق يقتضي أن يُقال: إياه نعبد وإياه نستعين، ولكن عدل عن ذلك إلى هذا الأسلوب أسلوب الخطاب بعد الوصف الغيبي؛ لأن الأذهان تستحضر عظمة هذا الموصوف فكان جديراً بأن يوجه إليه الخطاب بهذا الطريق، والله تبارك وتعالى أعلم .

٥ / ٥