الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٣٠ولئن كان العوتبي متسامحا ليّنا في مسائل الفقه، باعتبارها مسائل رأي مبناها الظن والاجتهاد، فقد كان صارما في قضايا العقيدة لأن مبناها القطع واليقين، وهي دين لا مجال فيها للاجتهاد. والحق فيها واحد ومع واحد، والمخطئ فيها آثم غير معذور.
وحرص العوتبي على مزج العقيدة بالأخلاق، وصبغ الفقه بهما معًا، باعتبارهما أساسا لا تثمر الأحكام من دونهما، ولا يجدي غيابهما نفعا على الإنسان ولو التزم بكل أحكام الإسلام(1) .
- عرض الآراء بين الترتيب والاختصار:
إن كانت المسألة محل وفاق أو راجحة عن الجمهور بدأ بالرأي المتفق عليه، أو الرأي الراجح، وإن كانت محل خلاف بدأ بذكر الخلاف، ثم يخلص إلى ما رجح عنده من تلك الآراء(2) .
ومن شواهد هذا الترتيب مسألة استقبال الكعبة، إذ بدإ بإجماع الأمة على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صلى تجاهها وصفّ الناس خلفه مستديرين حولها، فدل على أن حال أهل الآفاق جميعا مثل حال أهل مكة يصلون تلقاء الكعبة، ثم ذكر الاختلاف حول وجوب استقبال عين الكعبة أم جهتها(3) . وفي حكم الأذان بدأ بذكر الاختلاف وناقش الأقوال ثم خلص إلى الرأي الراجح(4) .
كما يجنح العوتبي في عرضه للآراء إلى الاقتصاد وإيراد الأهم البارز في مسائل الخلاف، مع نسبة الرأي لصاحبه، وذكر الرأي بكل أمانة، موضحًا وجهة نظر صاحبه ومبنى دليله، ثم يناقشه. بيد أنه قد يورد الرأي بصيغة المجهول، أو يُغفل اسم صاحبه، بعبارة: ويرى بعضهم، وقال بعضهم، وقيل، ورُوي…(5) .
(1) – انظر: العوتبي، الضياء؛5/24.
(2) – د. محمد قرقش، المنهج التاريخي عن العوتبي، ص129-130.
(3) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/9-10.
(4) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/63.
(5) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/15 في قضية خبر الواحد في التعرف على القبلة، لم ينسب الأقوال لأصحابها.