الفقه المقارن وضوابطه: العوتبي نموذجا مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٣٥

إذا أشكل على المجتهد ترجيح أحد الأقوال لتساوي الأدلة في المسألة كان مخيرا بينها، وذلك ما فعله العوتبي في بعض المسائل، مثلما فعل في قضية تحديد المقصود بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ﴾(1) فقد أورد الأقوال ممن يرى أنها العصر، ومن يرى أنها الصبح، ومن يرى أنها الظهر، والأحاديث المستدل بها لكل قول، ثم ختمها بقوله: والله أعلم.(2) .

وفعل مثل ذلك في مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة بالثوب المغصوب، بين من قال ببطلانها لكونها أفعالا كائنة في مكان لا تصح فيه، ومن قال إنها صحيحة، ويتوب من غصبه، ولا يقضي صلاته. ولم يرجح بين هذه الأقوال(3) .

- بين الموضوعية والمذهبية:

تعتبر المذهبية سمة لازمت المذاهب الإسلامية طويلا، ولا تزال آثارها طاغية على مستوى التفكير والفعل في معظم المجتمعات الإسلامية، ولها أسبابها التاريخية والاجتماعية، وتعزيزها من قِبل بعض الفقهاء، رغم حيادية بعضهم، وسعيهم للتقليل من آثارها، وقد ذكر الدكتور الدريني عن بداية المجتهد بأنه "من أنفس ما كُتِب في الفقه الإسلامي المقارن، دقةً علمية وموضوعية، ونزاهةً، وتبدو عنايته واضحة في تحرير "مناشئ الخلاف"، والموازنة بين الأدلة أصوليًا، وكثيرا ما يرجّح الرأي الأقوم، وقد يأتي برأي جديد، في حين أننا نجد في كتب الحنفية مثلا نقلاً للآراء الضعيفة لفقهاء المذاهب الأخرى، ثم يشرعون في الرد عليها، متجاهلين الآراء القوية لمخالفيهم، مما يشعر بتجافي "الحق العلمي" بدافع نزعة حب الانتصار على المذهب المخالف، وهو لو من التعصب المذهبي الذي ينبغي أن يكون القضاء عليه غاية من غايات الفقه المقارن"(4) .

(1) – سورة البقرة، آية 238.

(2) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/101-103

(3) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/292.

(4) – د. فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص17.

٣٥ / ٥٦