الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٣٦ومن أهم ضوابط الفقه المقارن وشروطه الموسوعية والموضوعية، ليتسنى للناظر الاطلاع الكافي على الآراء وأدلتها، والشجاعة الكافية لترجيح ما يعضده الدليل. وقد حظي العوتبي بنصيب موفور من هاتين الصفتين، بما نجده واضحا في كتبه بعامة، وفي الضياء بصفة خاصة.
ومن حرص العوتبي على الموضوعية قدر المستطاع ذكر الأقوال وأدلتها، كما فعل في قضية ما يقطع الصلاة مما يمر بين يدي المصلّي، إذ قال: «قالت طائفة من قومنا: لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول الشعبي والزبير ومالك وسفيان الثوري والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم. واحتج أصحاب الشافعي بما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال "لا يقطع صلاة المسلم شيء"، وعن عليّ أنه قال على المنبر: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الحدث" وإني لا أستحيي مما لم يستحي منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: الحدث أن يفسُوَ الإنسان أو يضرط.
وقال أبو حنيفة فيما حُكي عنه: لا تقطع الصلاة إلا الحائض»(1) .
وفي رأي وجيه يظل العوتبي وفيا للواقع في تقرير الأحكام إذ يقول: «وإذا مرت امرأة بين يدي المصلّي فليس عليه أن يسألها طاهر هي أم لا، ولا نقض عليه حتى يعلم ذلك، لأن من شأن المرأة وأكثر عادتها الطهارة، والحيض حادث، فحتى يعلم حدوث ولا يعلمه أحد غيرها، وليس لها أن تمرّ أمام المصلّي، فإن مرّت فلا قطع عليه، حتى يعلم ذلك، والله أعلم»(2) .
كما يؤيد رأي الحنفية في نقض الصلاة والوضوء بالقهقهة في الصلاة، واعتبارها حدثا ناقضا. بينما لا يعتبره الإمام مالكا ناقضا للصلاة ولا للطهارة. والرعاف عند مالك كالقهقهة، لأنه لا يعتبر الحدث إلا ما كان متفقًا عليه، ولكنه قال من دخل الصلاة بتيمم، ثم رأى الماء وهو في الصلاة انتقضت طهارته، وهذا حدث عنده.