مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٠٣- إِنَّ ما اعتبره الأصوليُّون مصالِحَ ملغاةً، إِنَّمَا هي ملغاة في حالات مُعيَّنة قليلة، فإذا أخذنا الخمر والميسر مثالاً، فَإِنَّ فيهما مفاسد كثيرة عَامَّة، وفيهما منافع فرديَّة قليلة، منها الربح المالي، فَإِنَّ الله تَعَالىَ لم يُلغِ هَذِهِ المنفعة، بل قد أباح لها وشرع ما لا يحصى من أوجه الكسب الحلال، والتي لا تفوِّت مصلحة أهمَّ منها(1) .
خامسا - تقسيم المصالح إلى دُنيَوِيَّة وَأُخْرَوِيَّة :
درج كثير من الباحثين عَلَى تقسيم المصالح في الشريعة الإِسلاَمِيَّة إِلىَ أُخْرَوِيَّة، وهي التي تتكفل بالعقائد والعبادات، وَإِلىَ دُنيَوِيَّة وهي التي تُتحصَّل من المعاملات.
والواقع أَنَّ هَذَا التقسيم لا داعي إليه بحكم:
- أَنَّ مصدر هَذِهِ الأركان الثلاث (العقائد، والعبادات، والمعاملات) واحد، وهو الله تَعَالىَ الحكيم الخبير، وهو أعلم بمصالح عباده.
- أَنَّ المرء مُكَلَّف بِهَذِهِ الأركان الثلاث عَلَى حدٍّ سواء، وينال جزاءه بحسب الائتمار بها.
- أَنَّ العقيدة القَوِيَّة في القلب أفضل عون للمسلم عَلَى أداء واجباته في العبادات والمعاملات.
- أَنَّ العبادات بمختلف أشكالها تقوِّي الإيمان في القلب، وتثبِّته أمام العواصف الدَّاخِلِيَّة (من أهواء النفس وشهواتها)، وَالخَارِجِيَّة (من وساوس شياطين الإنس والجنِّ)، كما أَنَّ العبادات تُؤَثِّرُ إيجابا في المعاملات، كما قَالَ تَعَالىَ: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ (العنكبوت: 45) ، وقال: ﴿ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ (البقرة: 45) .فنلاحظ أَنَّ العقائد والعبادات لها أثر كبير عَلَى المعاملات.
(1) … الريسوني: نَظَرِيَّة المقاصد، ص261.