مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٠٤اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يُقصد أَنَّ العقائد والعبادات تحقِّق مصالح دُنيَوِيَّة بشكل غير مباشر، وَأَمَّا المعاملات فتحقِّقها بشكل مباشر، أو يقال: إِنَّ العقائد والعبادات غير مستندة إِلىَ وصف مناسب يمكن القياس عَلَيْهِ، بخلاف المعاملات التي يقوم معظمها عَلَى أساس العلل الواضحة في الأذهان مِمَّا يفسح المجال للقياس عَلَيْهَا. أو يقال: إِنَّ أغلب أحكام العبادات روعي فيها تحقيق العُبُودِيَّة أَوَّلاً وبالذات خلافا للمعاملات، فَهَذَا مِمَّا لا خلاف فيه، ولا مشاححة فيه.
سادسا - مدى إدراك العقل للمصلحة والمفسدة(1) :
المنفعة غاية فطرية، فالكلُّ يسعى نحو تحقيق المصلحة لنفسه، وفي هَذَا القدر العامِّ يَتَّفِقُ جميع الناس وجميع الشرائع. والكلُّ مُتَّفَق عَلَى أَنَّ وسائل المنفعة لها حكم المنفعة ذاتها، إِلاَّ إذا أدَّت إِلىَ ضرر مساوٍ أو أعظم، وعكس هذا يقال في المفسدة. قال العزُّ بن عبد السلام: "واعلم أَنَّ تقديم الأصلح فالأصلح، ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد… فلو خيَّرت الصبيَّ الصغير بين اللذيذ والألذِّ لاختار الألذَّ، ولو خيِّر بين الحسن والأحسن لاختار الأحسن… ولا يقدِّم الصالح عَلَى الأصلح إِلاَّ جاهل بفضل الأصلح، أو شقيٌّ متجاهل لا ينظر إِلىَ ما بين المرتبتين من التفاوت"(2) .
(1) … أطال العلماء في بحث هَذِهِ القَضِيَّة، ومناقشة المعتزلة مناقشات حادَّة، وإلزامهم أحيانا بما لم يقولوه. نكتفي هنا بإيراد بعض المراجع التي تَتَعلَّقُ بالمقاصد، وتعليل أفعال الله… ينظر: البوطي: ضوابط المصلحة، صص81-93. باجو: منهج الاجتهاد عند الإِبَاضِيَّة، 1/139-154. الجندي: أَهَمِّيَّة المقاصد، ص165-193.
(2) … العزُّ بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 1/5.