مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٦٤وأكَّد القرآن هذه المعاني في عِدَّة آيات، فقال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ءَلاَمَنَ مَن فِي الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا اَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُومِنِينَ ﴾ (يونس: 99) ، وقال تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ ﴾ (البقرة: 272) . فالهداية من الله تعالى.. والرسولُ J والدعاةُ والعلماءُ من بعده، مجرَّد مبلِّغين وناصحين ومذكِّرين، قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ﴾ (الغاشية:21 ـ 22).
وبالتالي فإنَّ الإسلام يترك للإنسان حرِّيته واختياره في العقيدة؛ لأَنَّ الإيمان أساسه إقرار القلب وتسليمه، وليس مجرَّد كلمة تُلفَظ باللسان، أو طقوس وحركات تؤدَّى بالأبدان. وَلَكِنَّ القرآن دعا إلى إعمال العقل، وإجهاد الفكر لمعرفة الحقِّ، والوصول إلى الخالق الواحد الأحد، وحثَّ لذلك على معرفة الحقائق، واكتشاف أسرار الكون، وخزائن الأرض، مما يجعل التفكير ليس مجرَّد حقٍّ، بل هو فريضة إِسْلاَمِيَّة وعَقلِيَّة.
- احترام بيوت العبادة:
وهذا فرعٌ من حُرِّيَّة الاعتقاد، واحترامٌ للعقيدة التي يختارها الإنسان، لذلك يترك الإسلام لغير المسلم حُرِّيَّة ممارسة العبادات التي تَتَّفِقُ مع عقيدته، ثُمَّ يأمر بالمحافظة على بيوت العبادة التي يمارس فيها شعائره، ويحرم على المسلمين الاعتداء على بيوت العبادة أو هدمها أو تخريبها، أو الاعتداء على القائمين فيها، سواء في حالتي السلم أو الحرب.. والوثائق التَّارِيخِيَّة كثيرة في وَصِيَّة الخلفاء لقادة الجيوش، وفي المعاهدات التي أبرمت في التاريخ الإسلاميِّ، وعند الفتوحات ومنها الوثيقة العمريَّة مع أهل بيت المقدس، والدليل المادِّيُّ الملموس شاهد على ذلك ببقاء أماكن العبادة التَّارِيخِيَّة القديمة لليهود والنصارى وغيرهم في معظم ديار الإسلام والمسلمين.