الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ١٥وَخُمُودُ فِطْنَتِي، فَلَا أُنْظَمُ فِي سَلْكِ سُلَّاكِ تِلْكَ الْمَسَالِكِ وَلِقِلَّةِ.
--------------------------------------------------
الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ، (وَخُمُودُ): أَيْ سُكُونُ (فِطْنَتِي):
أَيْ حَذْقَتِي.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ عَدَمَ اتِّقَادِهَا أَصْلًا لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ هَضْمِ النَّفْسِ لَا سُكُونِهَا بَعْدَ اتِّقَادٍ بِدَلِيلِ السِّيَاقِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، إلَّا إنْ أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ مُتَّقِدَةً ثُمَّ سَكَنَتْ لِكِبَرٍ مَا وَلِهُمُومٍ، فَأَشَارَ إلَى كَوْنِهَا كَانَتْ مُتَّقِدَةً تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ، وَلِأَنَّ الْفِطْنَةَ وَالْقَرِيحَةَ ضَرُورِيَّتَانِ بِاعْتِبَارِ الطَّبْعِ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُعَالَجَةِ وَالْمُجَاهِدَةِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الرِّئَاءُ وَالْعُجْبُ بِالْإِخْبَارِ بِذَلِكَ، وَشَبَّهَ الْفِطْنَةَ بِالنَّارِ وَاسْتَعَارَ اسْمَ النَّارِ لِلْفِطْنَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ، فَذَلِكَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ، رَمَزَ إلَيْهَا بِالْخُمُودِ فَإِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ النَّارِ أَصْلِيَّةً تَحْقِيقِيَّةً، أَوْ شَبَّهَ عَدَمَ تَحَرُّكِ ذِهْنِهِ فِي الْمَسَائِلِ بِخُمُودِ النَّارِ، وَاسْتَعَارَ لَهُ اسْمَ الْخُمُودِ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَحْقِيقِيَّةً أَصْلِيَّةً، وَالْفِطْنَةُ تَجْرِيدٌ، وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ أَوْ الْفِطْنَةُ هِيَ الْقَرِينَةُ.
(فَلَا أُنْظَمُ فِي سَلْكِ سُلَّاكِ تِلْكَ الْمَسَالِكِ) النَّظْمُ: إدْخَالُ نَحْوِ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ فِي السَّلْكِ، وَالسَّلْكُ بِفَتْحٍ فَإِسْكَانٍ الْخَيْطُ الَّذِي يُنْظَمُ فِيهِ ذَلِكَ، وَسُلَّاكِ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ سَالِكٍ، وَالْمَسَالِكُ جَمْعُ مَسْلَكٍ وَهُوَ اسْمُ مَكَانِ السُّلُوكِ أَيْ الذَّهَابِ، وَالْجَوَازُ، وَأَرَادَ بِتِلْكَ الْمَسَالِكِ مَرَاتِبَ الْعُلَمَاءِ الْمُؤَلِّفِينَ؛ شَبَّهَ الْكَوْنَ فِي جُمْلَتِهِمْ بِإِدْخَالِ نَحْوِ الْجَوْهَرَةِ فِي الْخَيْطِ، وَاسْتَعَارَ لَهُ اسْمَ الْإِدْخَالِ وَهُوَ النَّظْمُ، وَاشْتَقَّ مِنْهُ أُنْظَمُ بِمَعْنَى أُدْخَلُ، فَأُنْظَمُ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ لِأَنَّ الْإِدْخَالَ مَوْجُودٌ عَقْلًا وَيُحَسُّ أَيْضًا، وَالسَّلْكُ تَرْشِيحٌ، أَوْ شَبَّهَ الْكَوْنَ مِنْهُمْ بِالْخَيْطِ الْمَذْكُورِ وَاسْتَعَارَ لَهُ اسْمَهُ وَهُوَ السَّلْكُ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ أَصْلِيَّةٌ مُرَشَّحَةٌ بِالنَّظْمِ، وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِعَيْنِهِمَا فِي شَرْحُ عِصَامِ الدِّينِ، وَشَبَّهَ مَرَاتِبَ الْعُلَمَاءِ الْمُؤَلِّفِينَ بِالطُّرُقِ، وَاسْتَعَارَ اسْمَ السُّلُوكِ لِلْكَوْنِ مِنْهُمْ وَالدُّخُولِ فِي جُمْلَتِهِمْ، وَاشْتَقَّ مِنْهُ سُلَّاكِ بِمَعْنَى الدَّاخِلِينَ فِي جُمْلَتِهِمْ، فَسُلَّاكُ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ وَكَذَا الْمَسَالِكُ، (وَلِقِلَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِأُعَدُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا صَدْرَ لِ لَا النَّافِيَةُ