الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٣٦لَكِنِّي أَعْتَذِرُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ أَبَانَ اللَّهُ لِي وَلَهُمْ مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ وَأَسْأَلُ مَنْ سَلِمَتْ مِنْهُمْ طَوِيَّتُهُ وَخَلَصَتْ نِيَّتُهُ
---------------------------------------------
(لَكِنِّي أَعْتَذِرُ) اسْتِدْرَاكٌ لِمَا عَسَاهُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فِي كِتَابِهِ يَطْلُبُ الْعُذْرَ عَنْهُ، (لِذَوِي الْأَلْبَابِ) جَمْعُ لُبٍّ، وَهُوَ الْقَلْبُ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْعَقْلِ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الْمُعْتَبَرُونَ وَأَهْلُ الشَّفَقَةِ، (أَبَانَ) أَظْهَرَ (اللَّهُ لِي وَلَهُمْ مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ) جَمْعُ مَعْلَمٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ، أَيْ مَوَاضِعَ الْأَمَارَةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الرُّشْدِ أَوْ الْأَمَارَةَ وَالدَّلَالَةَ أَوْ نَفْسَ الْعَلَامَةِ، والتَّحْقِيقُ إثْبَاتُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ، وَقِيلَ إثْبَاتُهَا بِدَلِيلِهَا، وَالتَّدْقِيقُ إثْبَاتُهَا بِدَلِيلَيْنِ.
(وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ) هَذِهِ الْبَاءُ مُعَاقِبَةٌ لِهَمْزَةِ التَّعَدِّيَةِ أَيْ أَسَلَكَنَا وَإِيَّاهُمْ، (أَنْفَعَ طَرِيقٍ) إضَافَةُ عَامٍّ لِخَاصٍّ، أَوْ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ، وَأَنْفَعَ ظَرْفٌ لِإِضَافَتِهِ لِطَرِيقٍ، أَوْ مَفْعُولٌ إنْ قُلْنَا مَنْصُوبٌ دَخَلَ مَفْعُولٌ، وَأَنْفَعُ الطَّرِيقِ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلُ إلَى الْجَنَّةِ وَرِضَى اللَّهِ، وَهُوَ طَرِيقٌ مَعْقُولٌ لَا مَحْسُوسٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِقَادَاتُ وَالْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَاتُ، (وَأَسْأَلُ مَنْ سَلِمَتْ مِنْهُمْ) حَالٌ مِنْ مَنْ، (طَوِيَّتُهُ) نِيَّتُهُ، أَوْ ضَمِيرُهُ، سَمَّاهَا طَوِيَّةً لِإِخْفَائِهَا، وَنِيَّةً لِلْقَصْدِ مَثَلًا، (وَخَلَصَتْ نِيَّتُهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا مِنْ نَوَى بِمَعْنَى قَصَدَ، أَوْ نَوَى بِمَعْنَى بَعُدَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَنَى بِتَقْدِيمِ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَبْطَأَ، فَحُذِفَتْ الْوَاوُ كَحَذْفِهَا مِنْ وَعَدَ عِدَّةً، فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ الْكَسْرُ وَالتَّخْفِيفُ، وَوَجْهُ الْبُطْءِ وَالْبُعْدِ أَنَّ النِّيَّةَ وَسِيلَةٌ لِوُصُولِ الْمَنْوِيِّ مَعَ بُعْدِهِ لِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِالْجَوَارِحِ، وَأُجِيزَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ نَوِيَّةً بِكَسْرٍ فَإِسْكَانٍ، قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَحُذِفَتْ الْيَاءُ بَعْدَهَا وَفُتِحَتْ هِيَ،
وَصُيِّرَتْ التَّاءُ عِوَضًا، وَالْمُرَادُ سَلَامَةُ النِّيَّةِ عَنْ الْبُغْضِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، وَخُلُوُّهَا لِلْمَحَبَّةِ وَالِاغْتِبَاطِ وَغَيْرِهِمَا، وَمَنْ فِي قَوْلِهِ مِنْهُمْ لِلْبَيَانِ، لِأَنَّ مَنْ يَتَوَلَّاهُ الْإِنْسَانُ