الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٨مَقْصُودَ لِي سِوَاهُ وَلَا مَرْغُوبَ لِي فِي غَيْرِ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَرِضَاهُ اخْتَلَسْتُ لِجَمْعِهِ مِنْ أَثْنَاءِ الْأَيَّامِ فُرَصًا مَعَ مَا أُكَابِدُ وَأَتَجَرَّعُ مِنْ الزَّمَانِ غُصَصًا فَجَاءَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ بِهِ الْأَعْيُنُ
--------------------------------------------
وَحْدَهُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْجَوَابِ كَنَعَمْ، (مَقْصُودَ) اسْمٌ لِلَا الْأُولَى، وَلَا اسْمٌ لِلثَّانِيَةِ، وَلَا خَبَرَ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (لِي سِوَاهُ): أَيْ سِوَى مَا أُعِدَّ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ، أَوْ سِوَى اللَّهِ، لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ ذَكَرَ اللَّهَ بَعْدَ مِنْ إقَامَةً لِلظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، (وَلَا مَرْغُوبَ): أَيْ لَا مَرْغُوبًا فِيهِ، فَكَانَ الْحَذْفُ وَالْإِيصَالُ، (لِي فِي غَيْرِ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَرِضَاهُ).
(اخْتَلَسْتُ) جَوَابٌ لِمَا، أَيْ خَطَفْت (لِجَمْعِهِ) أَيْ لِجَمْعِ ذَلِكَ الْكِتَابِ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي أَلْهَمَهُ اللَّهُ (مِنْ أَثْنَاءِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ وَسَطِ (الْأَيَّامِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَشْمَلُ اللَّيَالِيَ وَأَطْرَافَ الْيَوْمِ أَيْضًا، أَيْ يَخْتَلِسُ مِنْ الْأَوْقَاتِ، الْوَقْتَ الَّذِي لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ فِيهِ، (فُرَصًا) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَوْ بِفَتْحِهِمَا، وَالْأَوْلَى الْأَوَّلُ، وَالْمُفْرَدُ فُرْصَةٌ بِفَتْحِهِمَا وَضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ النَّوْبَةُ، تَنْتَهِزُهَا وَتُسَارِعُ إلَيْهَا لِئَلَّا تَفُوتَكَ، (مَعَ مَا أُكَابِدُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَأُكَابِدُ أُقَاسِي، (وَأَتَجَرَّعُ) أَبْلَعُ بِصَبْرٍ وَشِدَّةٍ، (مِنْ) أَبْنَاءِ (الزَّمَانِ غُصَصًا) مَفْعُولُ أُكَابِدُ، أَوْ أَتَجَرَّعُ تَنَازُعًا، جَمْعُ غُصَّةٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْأُولَى، شَبَّهَ تَحَمُّلَ الْأَذَى بِبَلْعِ مَا يَعْتَرِضُ فِي الْحَلْقِ وَيَنْشَبُ فِيهِ وَيَسُدُّهُ، أَوْ مَا يَعْتَرِضُ فِيهِ وَلَا تَجْبِذُهُ الْقُوَى الْجَابِذَةُ، بَلْ يَكْتَسِبُ بَلْعَهُ لِمَرَارَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ مَثَلًا، أَوْ شَبَّهَ الْمُعْتَرِضَ فِيهِ بِالْغُصَصِ، وَقَوْلُهُ: اخْتَلَسْتُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: (فَجَاءَ) إلَخْ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ بَعْدَ التَّأْلِيفِ أَيْ جَاءَ الْكِتَابُ (بِعَوْنِ اللَّهِ) وَتَوْفِيقِهِ وَهُمَا خَلْقُ اللَّهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ فِيهَا الْمُسْتَمِرَّةِ إلَى انْتِهَائِهَا، وَبَسَطْتُهُ فِي شَرْحِ " تَبْغُورِينَ " مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ (وَلَهُ) لَا لِغَيْرِهِ (الْحَمْدُ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، (كَمَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ) تَتَنَعَّمُ (بِهِ الْأَعْيُنُ) أَعْيُنُ