الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٣٤٦....................................................
-------------------
إلَيْهِمْ سَيْفَيْ الْإِمَامَةِ، فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ يَغْدُو غُدُوَّهُمْ وَيَرُوحُ رَوَاحَهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا إلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِمْ وَكَرِهَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى رَجَعَ إلَى مَكَانِهِ بَعْدَ اعْتِزَالِهِ، فَلَوْ كَانَ اعْتِزَالُهُ ثَابِتًا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِمُبَايَعَةٍ ثَانِيَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ بَعْدَ اعْتِزَالِهِ، وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ لَمَّا أَجَابَ إلَى حُكُومَةِ الْحَكَمَيْنِ فَكَتَبَ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ كِتَابًا عَلَيْهِمَا عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ الْحَكَمَانِ مِنْ خَلْعِهِمَا وَإِثْبَاتِ مَنْ أَثْبَتَا مِنْ غَيْرِهِمَا فَفَارَقَهُ الْمُسْلِمُونَ وَخَرَجُوا مِنْ عَسْكَرِهِ وَبَايَنُوهُ ثُمَّ تَابَ مِنْ الْخَلْعِ فَرَجَعُوا إلَى إمَامَتِهِ بِلَا تَجْدِيدِ مُبَايَعَةٍ.
وَذَكَرَ الْفَضْلُ بْنُ الْحَوَارِيِّ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ الْإِمَامُ بِمَا يُكَفِّرُهُ وَلَمْ يَشْعُرْ أَهْلُ الدَّارِ بِكُفْرِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ هَلَكُوا بِهَلَاكِهِ وَسَقَطَتْ وِلَايَتُهُمْ، وَلَا يُعْزَلُ بِمَا لَا يُوجِبُ بَرَاءَةً إلَّا التُّهْمَةَ، فَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ تَهِيمًا عَلَى الدِّينِ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ أَعْلَامُ الْمِصْرِ دُونَ الْعَامَّةِ، فَالْأَعْلَامُ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْعَامَّةِ، فَإِذَا كَانُوا مَعَهُ كَانُوا حُجَّةً عَلَى الْعَامَّةِ، وَإِذَا كَانُوا عَلَيْهِ فَحُجَّةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ، وَقِيلَ: وَذَلِكَ إذَا شُهِرَتْ أَحْدَاثُهُ، وَإِذَا اُتُّهِمَ وَأَعْطَى التَّوْبَةَ وَظَهَرَتْ التُّهْمَةُ عَلَيْهِ بِنَقْضِ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْ التَّوْبَةِ زَالَتْ إمَامَتُهُ وَعُزِلَ، وَهِيَ التُّهْمَةُ الَّتِي خُلِعَ بِهَا عُثْمَانُ لِأَنَّهُ كَانَ يُجْرِي الْأَحْدَاثَ فَاسْتَتَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَعْطَاهُمْ التَّوْبَةَ ثُمَّ يَجْرِي مِنْهُ الْحَدَثُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَيَسْتَتِيبُونَهُ وَيَتُوبُ وَيَعُودُ فَلَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فِيمَا يُعْطِيهِمْ مِنْ التَّوْبَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا إمَامَ تَهِيمٌ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: التُّهْمَةُ الَّتِي يُعْزَلُ بِهَا إنَّمَا هِيَ فِي حَدَثٍ وَاحِدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ يَتُوبَ، ثُمَّ يَفْعَلَهُ ثُمَّ يَتُوبَ، ثُمَّ يَفْعَلَهُ ثُمَّ يَتُوبَ، لَا يَفِيءُ بِتَوْبَتِهِ الَّتِي يُعْطِيهَا الْمُسْلِمِينَ فَيَتَّهِمُوهُ فِيمَا يُعْطِيهِمْ مِنْ التَّوْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا