الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٤٨٣وَإِنْ انْهَزَمُوا وَوَلَّوْا أَدْبَارَهُمْ وَسِعَ كُلًّا فِرَارُهُ مَا لَمْ يُمَكِّنْ نَفْسَهُ لِضَارِبِهِ.
-----------------------------------
(وَإِنْ انْهَزَمُوا وَوَلَّوْا أَدْبَارَهُمْ) أَعْدَاءَهُمْ، كَمَا يَجُوزُ لَهُمْ بِالْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ بِوَجْهٍ جَائِزٍ لَهُمْ دُونَ مَنْ تَسَبَّبَ فِيهِ (وَسِعَ كُلًّا فِرَارُهُ) وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِرَارِ فَشَلًا وَهَيْبَةً كَالتَّمْكِينِ لِلْعَدُوِّ، كَمَا قَالَ: (مَا لَمْ يُمَكِّنْ نَفْسَهُ لِضَارِبِهِ) وَفِي " الْأَثَرِ ": وَمَنْ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَلَيْسَ لِمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ أَنْ يَهْرَبَ؛ لِأَنَّ الْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ، إلَّا إنْ نَقَصُوا عَنْ نِصْفِ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَبْلَهُ وَحَلَّ بَعْدَهُ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الْآيَةَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ إلَخْ، أَوْ يَوْمَ إذْ لَقِيتُمُوهُمْ وَذَلِكَ الْيَوْمُ مُسْتَقْبَلٌ نَزَلَتْ الْآيَةُ قَبْلَهُ، وَمَنْ خَصَّهُ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّمَا أَجَازَهُ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ لِلْقِتَالِ بَعْدَ الْقُوَّةِ، وَاسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّحَرُّفَ لِقِتَالٍ وَالتَّحَيُّزَ بِفِئَةٍ، فَالْأَوَّلُ أَنْ يُتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْمُنْهَزِمِ فَيَعْطِفَ عَلَى مَنْ لَحِقَهُ فَيَقْتُلَهُ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِسَبَبِ تَحَصُّنِ الْعَدُوِّ فَلَا يَجِدُ لِقَتْلِهِ مَدْخَلًا، فَإِذَا تَهَازَمَ بَرَزَ لَهُ وَتَسَبَّبَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا تَهَازَمَ لَحِقَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمْ فَيَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ يَتْبَعُونَهُ فَيَصِلُ إلَيْهِ أَحَدُهُمْ قَبْلَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخُدَعِ فِي الْحَرْبِ، وَالتَّأَنِّي أَنْ يَنْضَمَّ مِنْ أَفْرَادٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ وَيَتَقَوَّى وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ التَّحَيُّزَ وَلَوْ إلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ غَيْرِ حَاضِرَةٍ فِي الْقِتَالِ جَائِزٌ لِمَا