آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي بدر بن سالم بن حمدان العبري

آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي لبدر العبري

الجزء ١ · صفحة ٨

وبين سبحانه من خلال فصة سبأ نعمة الأمن في الطريق، وإنها أساس تقدمهم اقتصاديا، واطمئنانهم نفسيا، يقطعون الليالي والأيام في وقت قصير، وهم آمنون في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فاستقام حالهم، وكثرت القرى وتقاربت، فقلت المسافة، وانتعشت الحياة، قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ(1)، فليست العبرة بسعة الطريق بقدر توفر نعمة الأمن والاطمئنان فيه، فيخرج الإنسان ليقضي حوائجه آمنا مطمئنا، لذا عندما أفسد أهل سبأ في الأرض، فقدوا نعمة الأمن في سيرهم وترحالهم، وشعروا ببعد المسافة، وأبدلوا بالأمن خوفا، وبالتقدم تخلفا، وبالاستقرار اضطرابا، فتأثرت معيشتهم، وسقط بنيانهم، قال تعالى: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(2).

وما كان من رحلتي الشتاء والصيف بين مكة والشام إلا آية من آيات الله تعالى، فيقطعون القيافي والقفار بأمن واطمئنان، فلا يشعروا بقساوة السفر وشدته، فانتعش الجانب الحيوي والاقتصادي في مكة والشام، قال تعالى: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(3).

فالطرق وأماكن السير من نعم الله تعالى الناطقة بعظمته، والدالة على وجوده سبحانه، فإذا كان معها الأمن كانت عنصر خير وبناء وتقدم للأمم والمجتمعات البشرية، لذا نجد اليوم أنّ تطور المجتمعات المتقدمة من أسبابه سعة الطرق وتقدمها، بجانب توفر الأمن فيها.

(1) سبأ/ 18.

(2) سبأ/ 19.

(3) قريش/ 1 - 4.

٨ / ٤٩