كتاب الأشياخ من خلال كتابي بيان الشرع والمصنف (جمع وترتيب وتحقيق) إدريس بن محمد بن صالح مسعودي أبو محمد

كتاب الأشياخ من خلال كتابي بيان الشرع والمصنف لإدريس مسعودي - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٦٩

مسألة: عن أبي الحسن البسياني(1) : إذا كان الرجل لا يتّقي المحارم ولا يجتنبها، وتلزمه ضماناتٌ كثيرةٌ من أموالِ الناسِ، ثمّ أراد التوبة، ولم تصحّ عنده الضمانات التي تلزمه لمن هي من الناس، كيف الخلاص له؟ وكيف تصحّ التوبة من ذلك؟

… قال: التوبة تصحّ له إذا ترك الفعل وندم عليه، واعتقد أن لا يعود يرجع إليه، واستغفر من ذلك بلسانه، واعترف بالحقوق لأهلها وأعطاهم إيّاها، ومن لم يعلم منهم تصدّق بمثل ذلك على الفقراء، وأوصى لهم، إن عرفوا دفع إليهم من ماله، وإن هو لم يمكنه الخلاص فاعترف لهم، وسعى في ذلك واجتهد، ونوى ردّها متى وجد، فتلك توبته، وقد صحّت له مع صدق نيّته، وصحّة سريرته وعلانيته، وإن لم يعرف مقدار الضمانات احتاط على نفسه حتّى يخرج من الشكّ الذي فيه…(2)

كتاب فيما جاء عن السلاطين والجبابرة:

فيما جاء عن الجبابرة:

… مسألة: سُئِلَ عن الجبابرة أنّهم(3) ، قال: لا، فأعدت عليه المسألة، قال: لا، وكذلك عن مسلم ابن أبي كريمة(4)

(1) ـ سبقت ترجمته.

(2) ـ الكندي، بَيَان الشّرع: 05/25.

(3) ـ الكلام يوحي بسقطٍ.

(4) ـ أبو عبيدة؛ مسلم بن أبي كريمة التميمي (ت حوالي: 145هـ): تميمي بالولاء، مولى لعروة بن أدية، أصله من فارس، كان آية في الذكاء، أوتي المقدرة والكفاءة في التنظير، وحسن التدبير، سياسي محنّك، وعالم جليل، عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها في المشرق والمغرب، أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد، وروايته عنه، رواية تابعي عن مثله، وقد روى عن الكثير من الصحابة، منهم: جابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعائشة أمّ المؤمنين. كما أخذ العلم عن صحار بن العباس الصحابي العماني، وعن جعفر بن السماك. وكان يروي عن جابر، وعن ضمّام، وأكثر ما روى عن صحار العبدي. كان أفقه من صحار وأبي نوح الدهان، وكان المقدّم عليهما، وعلى جعفر بن السماك.

وطّّن نفسه على طلب العلم، والاستفادة منه، فقد مكث في التعلم طالباً أربعين سنة، ثمّ مكث بعد ذلك في التعليم أستاذاً أربعين سنة أخرى، ونظرا لنشاطه الدؤوب تعرضت له عيون الحجاج بن يوسف الثقفي، فأدخله سجنه، ولم يخرج منه حتّى هلك الحجاج سنة 95هـ/713م، فأفرج عنه ليعود إلى نشاطه العلمي والدعوي.

فتولى إمامة الإباضية بعد الإمام جابر بن زيد الذي توفي سنة 93هـ/711م، فقد اجتعت الإمامة العلمية والسياسية فيه، بعثه الله في رأس المائة الثانية ليحيي لهذه الأمة أمر دينها، فخلف جابر بن زيد، وتابع إنجازاته ونظرا للنجاحات الكبيرة التي حقّقها الإباضية في خلال عهده في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة، بعيداً عن عيون بني أميّة، وإمعاناً في التمويه، ادّعى صنع القفاف وتعليمها حتّى سمّي بالقفّاف.

أنكر أيّ عمل مباشر ضدّ الدولة الأموية، وشكّل شبه حكومة سرية، تولّى فيها بنفسه شؤون الدين والدعوة.

وفي مدرسة السرداب البصرية، تخرّج مشاهير أئمّة الإباضية ودعاتها، أمثال: الربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي يزيد الخوارزمي، وأبي حمزة المختار بن عوف، وعبد الله بن يحيى طالب الحق، والجلندي بن مسعود، وسلمة بن سعد، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وكل هؤلاء مشارقة، ومن المغاربة عبد الرحمان بن رستم، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وعاصم السدراتي.

عرفت الإباضية تحت إمامة أبي عبيدة مسلم لأوّل مرة في تاريخها نشأة دولها في المغرب والمشرق، كدولة طالب الحقّ في اليمن والحجاز، ودولة الجلندي بن مسعود في عمان، ودولة أبي الخطّاب عبد الأعلى بن السمح في إفريقيا.

وفضلاً عن جهاده التربوي والسياسي، فقد ترك آثاراً علمية منها:

ـ مجموعة أحاديث، كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك وصحار العبدي.

ـ كتاب "مسائل أبي عبيدة" وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات.

ـ كتاب في الزكاة، رسائل تعرف بـ"رسائل أبي عبيدة"، فتاوي في الفروع والأصول، وهي متناثرة في الكتب.

ـ ناظر المعتزلة، وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء، اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء.

ولا غرو أنّ دوره الفعّال في مصير الإباضية، والنجاحات الكبرى التي تحقّقت على يده جعلت الخليفة العباسي الثاني أبا جعفر المنصور (حكم: 136-158هـ) يقول لمّا بلغته وفاته: "أو قد مات؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت الإباضية". (محمّد ناصر والشيباني، المعجم: 445-447).

٦٩ / ٢٠٠