الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٢وكَذَلِكَ الواقفون فَإِنَّهُم لَمْ يَروا النهي مقتضيا للفساد، وَإِنَّمَا تَوقَّفوا عن القول بالْحلِّ لشبهة عرضت لَهم، أو لِمعنى آخر، وَاللهُ أَعلَم.
احْتَجَّ القائلون بالفرقة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ … ﴾.
وبِما ورد من الأحاديث في تَحريم الوطء في الْمَحِيض، وبالقياس عَلَى الْمزنِيِّ بِها فَإِنَّهَا لا تَحلّ لِمن زنَى بِها أبدا، وكَذَلِكَ الْحَائِض.
وجه الاِستِدلاَل بالآية والأحاديث الْمَرْوِية: أنَّ الوطء في الْحَيْض قد نُهينا عنه بالْكِتَاب والسُّنَّة، ولا ينهى الشارع عن شَيْء إِلاَّ وهو قبيح فاسد، فالْمُوطَأَة في الْحَيْض قبيحة فاسدة لِذَلِكَ، والفاسد والقبيح الشرعيان لا يكونان حلالا شرعا.
ووجه اِستِدلاَلِهم بالقياس: أن الْمزنِيَّ بِها وردت النصوص في /162/ تَحريمها عَلَى من زنى بِها، وما ذَلِكَ إِلاَّ للزنى بِها، والزنَى فعل مُحرَّم، وكَذَلِكَ الوطء في الْحَيْض فاتَّحدت العِلَّة ووجب حَمل الْحَائِض عَلَى الْمَزْنِيِّ بِها في القضيَّة.
والْجَوَاب عن الاِستِدلاَل الأَوَّل: أن النصوص في تَحرِيم الوطء في الْحَيْض لا تَدُلُّ عَلَى تَحرِيم الْمُوطَأَة فيه، وغاية ما فيها أن الوطء في الْحَيْض حرام فَيعصي فاعله، والْمُوطَأَة مسكوت عنها في هذه النصوص.
وقد أحلَّها في الْجُملَة دَلِيل آخر وهو قوله تَعَالَى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فهي عَلَى ذَلِكَ التحليل حَتَّى يقوم دَلِيل يعارضه أو يرجَّح عَلَيهِ.