الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤١وخَامِسهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ قَولنا: "مَوجُود" يُناقضه قولنا: "لَيسَ بِمَوجُود" ولا يُناقضه قَوْلنَا "لَيسَ بعَالِم" وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المنفِيَّ بقَوْلنَا "لَيسَ بِمَوجُود" مُغاير للمنفِي بقَوْلنَا: "لَيسَ بعَالِم"، وَكَذَا الْقَوْل فِي كونِه قادرا.
قُلنَا: هَذَا التغايُر إِنَّمَا هُو مَعْنَى اللفظتَين وَهُوَ مُسلَّم، وكَلاَمُنا فِي نفي الزائدِ عَلَى ذاتِه تَعَالىَ ولاَ دليلَ لَكم عَلَى إثباتِه، وبالْجُملَة فَإنَّ القومَ إِنَّمَا أَثبتُوا المعانِي الحقيقيَّة قياسًا مِنْهُمْ للحقِّ عَلَى الخلق، وذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَروا فِي الخلقِ قَادرا إِلاَّ بقُدْرَة زائدَة، ولا عَالِما إِلاَّ بعلمٍ زائدٍ، ولا مُريدا إِلاَّ بإرادَة زائدَة قاسُوا الْحَقَّ تَعَالىَ عَلَى خلقِه وسَمّوه قياس الغائبِ عَلَى الشاهدِ، وَقَالُوا: إنَّا رَأينَا علَّةَ التسميَّة لا تَختلف فِي شاهِد ولا /74/ غائب، وكذَلِكَ الحدُّ والشرط لا يَختلفان أَيْضًا، والعَالِم إِنَّمَا سُمِّيَ عَالِمًا لقِيَام الْعِلْم به، وكذَلِكَ القادرُ والمريدُ.
وحدُّ العَالِم مَن قامَ الْعِلْم فِي حدِّ الْعِلْم بِه، والشرطُ فِي صِحَّة إطلاقِ اسم عَالِم عَلَى أحد وُجُود صِفَةِ الْعِلْم فِيه، فالعِلمُ علَّة للتسميَّة وشرط لصِحَّة الإطلاقِ، وَهُوَ قَيد فِي حدِّ العَالِم، وقد بَيَّنَّا أَنَّ العلَّة والحدَّ والشرط لا تَختلفُ فِي شاهدٍ ولا غائبٍ.
قُلنَا: يَلْزَم ذَلِكَ أَن لَو كَانَتْ الصِفَات متَّحدة، وأنتُم تُوافقون أَنَّ صِفَات الله مُغايرة لصِفَات خَلقِه، فَعِلم الله تَعَالىَ مُتعلِّق بِجَمِيع الأَشيَاء، ولاَ كذَلِكَ علم الخلقِ، وقُدرَته صالِحَة للإيجادِ والإعدامِ، ولا كذَلِكَ قُدْرَة الخلق، وهَكَذَا فِي سائرِ الصِفَات، فأينَ مَحَلّ الاتِّحَاد؟
وإذَا ثَبتَ تَغايُر الصفتَين بَطلَ القيَاس بَيْنَهما، وبِهَذَا التحقيقُ تَنهدِم قَواعد الصِفَاتيَّة ثُمَّ لا يَقوم لَها بَعْد ذَلِكَ قَائم أبدًا إن شاءَ الله تَعَالىَ.