الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٨٦وَأُجِيبَ عنه: بأنَّ الإنسان /298/ مَخلوق لِخدمة الله تَعَالَى وعُبوديَّته، فإذا تَمرَّد عن طاعة الله عُوقب بِضرب الرِّقِّ عَليه، فإذا أزيل الرِّقِّ عنه تَفرَّغ لعبادة الله تَعَالَى فكان ذَلِكَ عبادة مُستحسنة. وَأَمَّا هذه الْحَيوَانات فَإِنَّهَا مَخلوقة لِمنافع الْمُكَلَّفين فتركها وإهمالُها يَقتضي فوات منفعة عَلى مالكها من غَيْر أن يَحصل في مقابلتها فائدة فظَهر الفرق.
وأَيْضًا: فَالإنسان إذا كَان عبدا فأعتق قدر على تَحصيل مَصالِح نفسه، وَأَمَّا البهيمة إذا عتقت وتركت لَمْ تقدر على رعاية مصالِح نفسها؛ فوقعت في أنواع من الْمِحنة أشدّ وأشقّ مِمَّا كَانت فيها في حال ما كانت مَملوكة؛ فظهَر الفرق.
البحث الثاني: أن يُقال: إن الله - عزَّ مِن قائل - وبَّخ العرب على تَحْرِيم أشياء من الأنعام وبالغَ في الردِّ عليهم في غَيْر مَوضع من كتابه العزيز، وقد حرَّم إسرائيل - عليه السلام - على نفسه شيئا من ذَلِكَ. روى ابن عَبَّاس أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ يَعقُوب مَرِضَ مَرضًا شَديدًا فَنَذَرَ إِن عَافَاهُ اللهُ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبّ الطعَامِ وَالشرَابِ إِلَيهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطعام إِليه لَحْمان الإبِل، وأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيهِ أَلْبَانُها»، وَلَمْ يُعاتبه الربُّ تَعَالَى على ذَلِكَ، بل جعله شَرعا له ولِبَنِيه، وهو في ابتداء الأمر إِنَّمَا حَرَّمه على نفسه.
وَالْجَوَاب: أنَّ تَحْرِيم الأَنبياء لَيس كتَحْرِيم غَيْرهم، فإنَّ مَا جاءوا بِه شَرع من الله تَعَالَى، إذ لا يَبعد أن يَقول الله للنبِيِّ: اُحكُم فَإنَّك لا تَحكم إِلاَّ بالصَّوَاب، فيحتمل أن تكون قضيَّة إسرائيل مِن هذا الباب.
ويَحتمل أن يكون اجتهادا منه، والاجتهاد من الأنبياء ثابت.