الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٦١بَيْنَ بنيان الْمَسْجِد وبنيان غير الْمَسْجِد؛ لقوله - عليه السلام -: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى». قَالَ: وفي الأثر وإن بنوا مَسْجِدًا إِلَى /54/ حائط الدار أو البيت فذَلِكَ مسجد لا حَائط الدار أو البيت.
وَمِنهُم من يَقُولُ ليس ذَلِكَ بِمسجد قَالَ: فهَذَا يَدُلُّ من قولهم إِنَّ الْمَسْجِد لا يَكُون بعضه مَسْجِدًا وبعضه ليس بِمسجد؛ وذَلِكَ أَنَّ اسم الْمَسْجِد يقع عَلَى جَمِيع حيطانه وخشبه وطينه وسقفه. وعلى هَذَا أَيضًا إن بنوا مَسْجِدًا عَلَى سقف أَو دكَّان فليس بِمَسجِد؛ لأَنَّ السقف والدكان ليسا بِمَسجِد؛ فما بني عَلَى غَير مسجد فلا يَكُون مَسْجِدًا. وَأَمَّا إن بنوه عَلَى الغار فذَلِكَ مسجد.
وكَذَلِكَ أَيضًا إن حَفروا في الأرض حفرة فبنوها مَسْجِدًا فذَلِكَ مَسْجِد؛ لأَنَّهم بنوه عَلَى موضع يَجُوز أن يَكُون فيه مَسْجِدًا، وهو الأرض، والله أعلم.
وفي الأثر: وَإن حفروا غارا وعنوا به مَسْجِدًا، أو علَّموا عَريشا أو خُصًّا أو خبًا عَلَى أن يَكُون مَسْجِدًا فلا يَكُون مَسْجِدًا، ولا يَحذرون فيه جَمِيع ما يَحذرون في الْمَسْجِد.
وَمِنهُم من يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ مَسْجِد. قَالَ: وأصل اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل يقع عَلَى هَذِه الْمَعانِي اسم الْمَسْجِد، أم لا؟ إذ الظاهر من الْمَسْجِد أن يَكُون بالبنيان، غير أن اسم البيوت تَقع عَلَى هَذِه الْمَعانِي وعلى الْمَسَاجِد؛ لقوله تَعَالَى: ﴿فيِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ يعني: الْمَسَاجِد، وقَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا … ﴾، والله /55/ أعلم.