الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٧فيَقُولُون: إِذَا كان هُناك أَمْرَان أَحَدهُما: صلاحٌ، والآخَر أصلَح منه وَجَبَ عَلَى الله أن يَفعل الأَصْلح مِنهُمَا دونَ الصلاح.
ثُمَّ اختَلَفُوا: فذهبَت مُعتزلة بَغداد إِلَى: أَنَّه يَجِبُ عَلَى اللهِ مُرَاعَاة الصلاحِ والأَصْلح لعبادِه فِي الدين والدنيا.
وذهبَت مُعتزلة البصرَة إِلَى: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ تَعَالىَ مُرَاعَاة الصلاحِ والأَصْلح لَهم فِي الدين فقط.
ثُمَّ اختَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُرَاد بالأَصْلح:
فَعند البغداديَّة: الأوفَق فِي الحكمَةِ والتدبيرِ. وعِند البصريَّة: الأَنفَع.
واحتجُّوا عَلَى إثباتِ ذَلِكَ بِظوَاهِر الآياتِ الدالَّة عَلَى الوُجُوب، كمَا فِي قَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾، وقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إِلَى غَير ذَلِكَ.
قُلنَا: لَيسَ الْمُرَادُ من ظاهرِ الآيات الوُجُوب الذِي ذَكَرتُموه، وَإِنَّمَا الْمُرَاد به ثبوت ذَلِكَ فِي حكمتِه تَعَالىَ كثبوت الْوَاجِبِ.
وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّهُ - سبحانه وتعالى - قد ضَمِن للخلقِ رِزقهم، وضَمانَته - سبحانه وتعالى - لا يَصحُّ أن تَختلفَ لِصدق وعدِه واستحالَة الاختِلاَف عَلَيهِ، فكانَ واجبًا فِي حقِّه تَعَالىَ، أي: ثَابتًا فِي حكمتِه لا يَجُوزُ اختِلاَفُه، ولَيسَ الوُجُوبُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِمَعْنَى إلزامِ الله لِعباده تِلْكَ الحقُوق، تَعَالىَ الله عمَّا يَقُولُ المبطلونَ عُلوًّا كبيرًا، هَذَا هو الْمُرَاد من تِلْكَ الآيات.