الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٢الْمَسأَلة الْخَامِسَة: [فِي قَولِ الْمُعتَزِلَة بِوُجُوبِ قَبولِ التوبَة عَلَى الله]
ذَهبَت الْمُعتَزِلَة أَيْضًا بِنَاء عَلَى قَولِهِم بتَحْكِيم الْعَقْل إِلَى وُجُوبِ قبولِ التَّوْبَة عَلَى الله تَعَالىَ، واحتجُّوا عَلَى ذَلِكَ مِنَ القُرْآن بِقَوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ قَالُوا: فَدلَّت هَذِهِ الآية عَلَى وُجُوب قبولِ التَّوْبَة عَلَى الله مِن وَجهَين: الأَوَّل: أَنَّ كَلِمَة (عَلَى) للوُجُوب، فقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَى الله عَقلا قبولُها.
الثاني: لَو حَملنَا: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ﴾ عَلَى مُجرَّد القبولِ لَمْ يَبقَ بَينَه وبينَ قَولِه: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فَرق؛ لأَنَّ هَذَا أَيْضًا إخبارٌ عَن الْوُقُوعِ. أَمَّا إِذَا حَملنَا ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ القبولِ، وَهَذَا عَلَى الْوُقُوعِ يَظهر الفرقَ بينَ الآيتَين، ولاَ يَلزَم التكرار.
وَأجيبَ عَن ذَلِكَ: بِأَنَّه تَعَالىَ وعَد بقبولِ التَّوْبَة مِن المؤمنينَ، فَإذَا وعَدَ الله بِشيءٍ وكانَ الْخُلفُ فِي وَعدِه مُحالاً، كانَ ذَلِكَ شَبيها بالواجب، فبهذَا التأويل صحَّ إطلاَق كَلِمَة (عَلَى)، وبِهَذا الطرِيق ظَهرَ الفرقُ بَينَ قَولِه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ﴾ وبَين قَولِه: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
فإن قِيل: فَلِم أخبَر عَن قبولِ التَّوْبَة، وكُلُّ مَا أخبَر الله عَن وُقوعِه كانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، فَيلزَمكُم أَن لاَ يَكونَ فَاعلا مُختارًا.
أُجيبَ: بأنَّ الإخبارَ عَن الْوُقُوعِ تَبع للوقوعِ، والْوُقُوع تَبع