معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١١

هِجرَتُهُ إِلَى اللهِ ورَسُولِه فَهِجرَته إِلَى اللهِ وَرَسُولِه وَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى دُنيًا يُصيبُهَا أَو امرَأةٍ يَتَزوَّجهَا فَهِجرَتُه إِلَى مَا هَاجَر إِلَيه».

فالنيَّة شرط لصحَّة الْعِبَادَات فلا عمل لِمن لا نيَّة له، خِلاَفا لبعض أَصحَابنَا وللحنفية فِي عدم اشتراطهم النيَّة فِي صحَّة الوضوء؛ لأَنَّ الوضوءَ عِندَهُم من الوسائل لاَ عبادَة مستقلَّة، وبِأَنَّهُ -عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم- عَلَّم الأعرابِي الجاهل الوضوءَ ولَم يُعلِّمه النيَّة، ولَو كَانَت فَريضة لعلَّمه.

ونُوقشُوا بالتيمُّم فَإنَّهُ وَسيلة وشَرطوا فِيه النيَّة.

وأجابوا: بأنَّ التيمُّم طَهَارَة ضَعيفة فيحتاجُ لِتقويتها بالنيَّة، وبأنَّ قياس الوضوءِ عَلَى التَّيَمُّم غَير مُستقيم؛ لأَنَّ الْمَاء خُلق مُطهِّرا، قَالَ الله تَعَالىَ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾، والترابُ لَيسَ كَذَلِكَ، وكانَ التطهير بِه تَعبُّدًا مَحضًا فاحتاج إِلَى النيَّة، إذ التَّيَمُّم يُنبِّئ لغَة عَن القصد، فلا يَتَحَقَّق دون القصد بِخِلاَف الوضوء، ففسَد القياس عَلَى التَّيَمُّم.

وَالْجَوابُ الذِي لا اعتراض عَلَيه: أَنَّ الوضوءَ من سائر الأَعمَال الشَّرْعيَّة.

وَفي الْحَدِيث: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنياتِ»، فدَخل فِيه الْعِبَادَات ووَسائلها، وأنَّ الأعرابِيّ قد قصَد الوضوء مع تَعليم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَه الوضوء فلا يَحتَاج إِلَى تَعليم النيَّة، إذ لَيسَت النيَّة فعلا بدنيًّا يَحتَاج إِلَى بَيَان كيفيًَّته، وَإِنَّمَا هي أمر قلبِيّ، فمن قصدَ شَيْئًا فقد نواه، فعُلِم أَنَّ الوضوء مِن بَعض الأَعمَال التي لاَ بُدَّ من اشتراطِ النيَّة فِيها.

وإذَا عَلِمت هَذَا ظَهَر لك أَنَّ النيَّة شَرط فِي صحَّة جَمِيع الْعِبَادَات، فلاَ نُعيد ذِكر اشتراطها مع ذِكرنَا لِجميع خِصال العبادات فِي النظم، بَل

٢١١ / ٥٬٣٨٩