معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

فإن قِيل: النيَّة عمل من أعمال القلب فيَحتَاج إِلَى النيَّة ويتسلسل.

أُجِيب: بأنَّ الْمُرَاد أعمالَ الجوارح بدلالَة الْعَقْل، وبدليل الخبر المعتبر «نِيَةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»، وبدليل أَنَّ العرفَ لاَ يُطلِق الْعَمَل عَلَى فعلِ الناوي.

وبُحث فِيه أَنَّ سائر أعمال القلوبِ لا تُعتَبَر شَرعًا إِلاَّ بالنيَّة، وإنَّ مَعْنَى الْحَدِيث عَمل النيَّة خَير من عمل الجارحَة، لِوجوه ذكرها الغزالي فِي الإحياء، وَأَنَّهُ لاَ عِبرة بالعرفِ، مَع أَنَّهُ يَختلف، فالأظهر فِي الجواب استثناء النيَّة، وكَذَا الأُمُورِ الاِعتِقَادية للدلالة الْعَقْليَّة.

قال ابن حَجَر: لا تَجِب النيَّة فِي عِبَادَة لا تَكون عادَة، أَو لاَ تَلتبس بغيرها، كالإِيْمَان بالله والْمَعرِفَة به والخوف والرجاء والنيَّة والقراءة والأذكار، حَتَّى خطبة الجمعة عَلَى الأَوجَه لِتَميُّزهَا بصورتِها مَع لزوم التسلسل أَو الدور، لَو توقَّفت النيَّة عَلَى نيَّة، ولزوم التناقض الْمحال لو توقَّفت الْمَعرِفَة عَلَيها، إذ هِي قَصد المنويّ، ولا يُقصد إِلاَّ ما يُعرف، فيَلزَمُ أن يَكُون الإِنسَان عَارفا بالله تَعَالىَ قَبل معرفته به، فيَكُون عارفا به غَير عارف به فِي حالٍ وَاحدة.

قُلْتُ: والحقُّ أَنَّ القراءة والأذكار وخطبة الجمعة ونَحوها أعمال تتوقَّف صحَّتها عَلَى صحَّة النيَّة، فَإنَّهَا وإن كَانَت متميِّزة من سائر الْعِبَادَاتِ فَهِي دَاخِلة تَحت الأَعمَال الْمَوقوفة عَلَى النياتِ، ولَيسَ التميُّز نفسه مقصودا من شَرع النيَّة، وَإِنَّمَا المقصودُ تَميِيزها مع الإخلاص والرغبة إِلَى الله، وطلب القرب منه تَعَالىَ.

قال ابن حَجَر: ولا تَجِب النيَّة فِي التروكِ كَتروك الزنا، إِلاَّ لِحُصُول

٢١٣ / ٥٬٣٨٩