الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٨الإطلاق، بل مَحلُّه إن احتاج إِلَيه بالاستعانة عَلَيه، وقد ثَبتَ تركه عِندَ الحفَّاظ الْمُحدِّثين بلاَ رَيب، فقَوله: "والشكُّ لا يُعارض اليقين" مُجازَفة عَظيمة مِن أعجب العجائب الذِي يتحَيَّر فِيه أولوا الألبابِ، حَيثُ جَعل الوهم يقينا، وثُبُوتِ الحفظ رَيبا.
لا يُقال: الْمُثبت مُقدَّم عَلَى النافي؛ لأنَّا نَقول: مَحلّه إِذَا تَعارض دليلان: أَحَدُهُمَا عَلَى النفيِ وَالآخر عَلَى الإثبات، وَالخصم هُنا سواء جَعلناه مُثبتا أَو نَافيا لَيسَ معه دليل، ودَليلنا عَلَى النفيِ ثَابت بنقلِ الْمُحدِّثين المؤيَّد بالأصل الذِي هو عدم الْوُقُوع، فتأمَّل فَإنَّهُ مَوضع زلَل ومَحلّ خطل.
قَالَ: ثُمَّ رَأيت ابن القيم ذَكرَ فِي "زاد المعاد فِي هدي خير العباد"، وَهَذَا لفظه: "كَانَ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم إِذَا قام إِلَى الصَّلاَة قال: الله أكبر، ولَم يَقل شَيْئًا قبلها، ولا تلَفَّظ بالنيَّة البتة، ولا قال: أصلِّي لله صلاة كَذَا، مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أَو مأموما، ولا قال: أداء ولا قضَاء ولا فرض الوقت، قال: وهَذِهِ عَشر بدع لَمْ يُنقل عنه عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم أحَد قطٌّ بِإسناد صَحيح ولا ضعيف ولاَ مُسند ولا مُرسل لَفظَة واحدَة منها البتَّة، بَل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبَّه أحد مِن التابعين ولا الأئِمَّة الأربعَة، وَإِنَّمَا غَرّ بَعض المتأخِّرين قَول الشافعي فِي الصَّلاَة أَنَّهَا لَيسَت كَالصيام لا يَدخل فِيها أَحد إِلاَّ بِذكر، فظنَّ أَنَّ الذكر تلَفُّظ المصلِّي بالنيَّة، وأنَّ مراد الشافعي بالذكر تَكبيرة الإحرام لَيسَ إِلاَّ، وكَيف يَستَحبُّ الشافعي أمرًا لَمْ يَفعله رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي صلاة واحدة، ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وَهَذَا هَديُهم وسيرتُهم، فإن أوجدنا أحدٌ حرفا واحدا عنهم فِي ذَلِكَ قُلْنَاه وقابلناه بالقبول والتسليم، ولا هدي أكمَل من هديهم،