الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٨٥التَّنبِيه الثَّانِي: في سرِّ الاستعاذة
وهو: الالتجاء إِلَى قادر يدفع الآفات عنك، وذَلِكَ أن أجلَّ الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن؛ لأَنَّ من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكَّر في وعده ووعيده وآياته وبيِّناته ازدادت رَغبته في الطاعات، ورهبته عن الْمحرَّمات، فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات، ولِهذا كان سعي الشيطان في الصدِّ عنه أبلغ، وكان احتياج العبد إِلَى من يصونه أشدّ، فلهذه الْحكمة اختصَّت قراءة القرآن بالاستعاذة.
وَقِيلَ: الْحكمة في ذَلِكَ: أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة والنميمة فأمر الله تعالى العبد بالتَّعَوُّذ ليصير لسانُه طاهرا فيقرأ بلسان طاهر.
وليس هذا بشيء؛ لأَنَّ الْمَأمُور بالاستعاذة في أَوَّل الأمر من لا يَجُوز عليه شيء من تلك الْمعاصي وهو نبيّنا -عليه الصَّلاَة والسلام- قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ … ﴾ الآية، وسائر الناس إِنَّمَا دخلوا في حكم الأمر بسبيل الاتِّباع له فَبطل ما زعمه.
واعلم أن الشيطان عدوٌّ لَك، ومتربصٌّ /77/ لصرف قلبك عن الله - عز وجل - حسدا لَك عن مناجاتك مع الله سبحانه، وسجودك له مع أَنَّه لُعن بسبب سجدة واحدة تركها.
وإن استعاذتَك بالله منه أن يُعيذك هو: ترك لِما يُحِبُّه وتبديله بِمَا يُحِبُّ الله، ولا يَحصل ذَلِكَ بِمجرَّد اللفظ، فإنَّ من قصده عدوّ ليقتله فقال: