معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٥

قال الرَّبِيع -رحمه الله-: إنَّ أبا عبيدة لَم يكن يعتبر عدد الْمَرَّات في الْوُضُوء، وإِنَّمَا يَعتبر التنظُّف والإنقاء.

قال أبو سَعِيد: ولَعَلَّ أكثر قولِهم: إنَّهُ إن فعل ذَلِكَ عَلَى غَيْر مُخَالَفَة السُّنَّة ثبت.

قال أبو مُحَمَّد: الأَدِلَّة قد قَامت بِجوازِ تقديم الأَعضَاء بَعْضها عَلَى بَعْض، فالْقَوْل بأنَّ ذَلِكَ جائز ما لَم يَرد خِلاَفا للسُّنَّة لا أرَى له وجها؛ لأَنَّ اعتقاد الْمَعصِيَة بفعل لا يرفع حُكم ما يَجُوزُ فعله في غَيْره.

قُلتُ: لَكِنِّي أرى له وجها، وذَلِكَ إن قصَد الْمُخَالَفَة للسُّنَّة في شَيء بِعينه يَكُون ذَلِكَ الشَّيء مَعصية، فمن قصد مُخَالَفَة السُّنَّة في تَرتِيب الأَعضَاء كَانَ عاصيا بذَلِكَ الْوُضُوء، ومَن كَانَ عاصيا بوُضُوئه فلا يَكُون مُطيعا به، إذ لا يَكُون مطيعا عاصيا في حالٍ واحد فِي شَيْء واحد، فذَلِكَ الْوُضُوء مَعصِيَة لا طاعة، فكيف يَكُون أداء لِمَا أمر الله به، ولو سلَّمنا أن الْمَعصِيَة إِنَّمَا كانت بسبب القصد إلَى الْمُخَالَفَة فغاية ما في عدم التَّرتِيب أَنَّهُ مباح، والْمباحُ يتحوَّل بالنيَّة الفاسدة مَعصِيَة، كما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في تقرير النيَّة، وَالله أَعلَم.

احتجَّ القائلون: بأنَّ التَّرتِيب شَرط لصِحَّة الْوُضُوء، بقولِه تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ … ﴾ الآية، واحتِجَاجهم بِها مِن وُجُوه:

- الأَوَّل: أن قَوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهكُمْ﴾ يَقتضِي وُجُوب الابتداء بِغسل الوجه؛ لأَنَّ الفاء للتعقيب، وإذا وجبَ التَّرتِيب في هَذَا العضو وجب في غَيْره؛ لأَنَّهُ لا قائل بالفَرق.

واعترضَ: بأنَّ فَاء التعقيب إذا دخلت في جُملَة هَذِهِ الأعمال، فَجرَى الكَلاَم مَجرى أن يُقَالَ: "إذا قُمتُم إلى الصَّلاَة فأتِمُّوا بِمجموعِ هَذِهِ الأفعال".

٣٧٥ / ٥٬٣٨٩