معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٨

الاعتماد فيه عَلَى مورد النصِّ؛ لاحتمال أن يَكُون التَّرتِيب الْمَذكُور مُعتبرا إِمَّا لِمَحض التعبُّد، أو لِحِكَم خفيَّة لا نعرفها، فلهَذَا السبب أوجبنا رعاية التَّرتِيب الْمُعتَبَر الْمَذكُور في أركَانَ الصَّلاَة، بل ها هُنا أولى؛ لأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذكر أركَانَ الصَّلاَة في كِتَابه مرتَّبة، وذكر أعضاء الْوُضُوء في هَذِهِ الآية مرتَّبة، وَكَانَ التَّرتِيب في أركَانِ الصَّلاَة واجبا إجْماعا، وجب أن يَكُون التَّرتِيب هَا هُنَا أَولَى.

قُلتُ: وهَذِهِ الوُجُوه كُلُّها قَويَّة في الاحتِجَاج إِلاَّ الوجه الأَوَّل، فقد أورَد عَلَيهِ ما لا مَخلص لَهم منه.

ويُؤَيِّد هَذِهِ الوُجُوه فِعله - صلى الله عليه وسلم -، فَإنَّهُ لَم يُنقَل عنه مُخَالَفَة بين أعضاءِ الْوُضُوء في جَمِيع أحواله، فلو كَانَ ذَلِكَ جائزا لفعله رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ولَو مَرَّةً لِبيان الْجَوَاز، إذ ليس في الشرع حُكم إِلاَّ وقد بيَّنه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَمَّا ما نُقل عنه أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام «نَسِيَ مَسحَ رَأسِهِ فَتَذكَّرَه بَعدَ فَراغِهِ فمَسَحَهُ بِبَلَلِ كَفِّه»، فلا يَدُلُّ عَلَى جَواز ذَلِكَ في التَّعَمُّد، وإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جوازِه في النِّسيَان، وقَد يُغتَفر للناسِي ما لا يُغتفر للتعمِّد، وَالله أَعلَم.

احتجَّ القائلون بِعدم وُجُوبِ التَّرتِيب بوُجُوه:

- الأَوَّل: قوله تَعَالَى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ … ﴾ الآية، قَالُوا: فَالواوُ لاَ تُوجب التَّرتِيب، فَكانت الآيَة خَالية عَن إيجاب التَّرتِيب، فلَو قُلنا بوُجُوبِ التَّرتِيب كَانَ ذَلِكَ زيادة عَلَى النصِّ وهو نسخ، وهو غَيْر جائز.

وأُجِيبَ: بأنَّ الآية تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرتِيب من وُجُوه أُخَر غَيْر التمسُّك بالعاطف كما مرَّ ذكره.

٣٧٨ / ٥٬٣٨٩