الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٣قال: وأباح السلف البناء عَلَى قبر الْمشايخ والعُلَماء الْمَشهُورين ليزورهم الناس ويستريحوا بالْجُلُوس فيه.
وليس هذا كُلّه بشيء؛ لأَنَّ القراءة عَلَى الْقُبُور ليست من السنَّة في شيء حَتَّى يباح لَهَا ما نُهي عنه في غيرها.
وأَمَّا الزيارة: فإِنَّما /457/ يؤمر بِهَا عَلَى غير هَذِه الطريق، وَلَمْ يثبت عن السلف إباحة ذَلِكَ، بل الْمَنقُول عن بعضهم إنكاره كما تقدّم عن ابن عمر.
فإن قيل: إن البناء عاليا ثابت في الكتاب العزيز، وذَلِكَ قوله تَعَالَى في أصحاب الكهف: ﴿قَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾، وهذا يَدُلُّ عَلَى أن القائلين بذَلِكَ كانوا مسلمين، فإن الْمَسجِد لَهُم خاصَّة.
قُلنَا: تلك حكاية عن أحوال وقعت بين أهل ذَلِكَ الزمان في هَذِه القضية، ولا يَدُلُّ عَلَى جوازه ولا عَلَى عدم جوازه. سَلَّمنا، فنحن لَمْ نتَعبَّد بشريعتهم وَإِنَّمَا تُعبِّدنا بشريعتنا، وقد ورد النهي عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - فلاَ يُعدل عنه إِلَى ما كان من قبله، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر الحادي عشر: في القعود عَلَى الْقُبُور
وهو مَنهيّ عنه؛ لحديث جابر الْمتقدّم، وقد اختلفوا في معناه:
فقال جمهور العُلَماء: إن /458/ الْمُرَاد بالقعود الْجُلُوس.
وقال مالك: الْمُرَاد بالقعود الْحدث، ونسب إِلَى علي بن أبي طالب وابن عمر وخارجة بن زيد وزيد بن ثابت، وقال النووي: وهذا تأويل ضعيف أو باطل، والصواب أن الْمُرَاد بالقعود الْجُلُوس.
ثُمَّ اختلفوا في علَّة النهي: فقيل: إِنَّمَا نُهي عنه للإحداد وهو أن يلازم القبر