الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٧الأمر الرابع عشر: في نبش الْقُبُور
وهو حَرام إذا كان لغير ضرورة؛ لأَنَّه مُخالِف للمَقصُود من شرعها، وذَلِكَ الْمَقصُود مواراة الْمَيِّت، وأن نبشه يُخالف ذَلِكَ، والتحريم إِنَّمَا يتعيَّن في نبش اللحد دون سائر الْحفرة؛ لأَنَّ اللحد هو موضع الْمَيِّت، وما دام ستره مستقيما لَمْ يكن منبوشا فمن سقط عَلَيهِ شيء في اللحد فلا ينبشه، أَمَّا في الْحفرة فجائز، وهذا الْحكم إِنَّمَا هو في حقِّ الْمُسلِم. ونقل أبو نبهان تعميمه لِكُلِّ آدمي مسلما كان أو غير مسلم؛ وذَلِكَ لأَنَّ الْمواراة /464/ مشروعة للكلِّ.
ولنا أن نقول: إِنَّ الْمَشرُوع في حقِّ الْمُشرِك مواراة جثته لدفع ضرره لا لاحترامه، بِخِلاَف الْمواراة في حقِّ الْمُسلِم فإِنَّها للاحترام أيضا، وإذا لَمْ يثبت للمشرك حرمة لَمْ يَمتنع نبشه إذا أمن الضرر.
وجاء «أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَأمُرُ بِبنَاءِ الْمَسجِد في مُتَعبّداتِ الكفَّارِ وقُبورِهِم إذَا نُبِشَت»، قال ابن عمر: وكان موضع مسجد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بالْمَدينَة قبورا للمشركين وخرب ونَخل، فأمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بقبور الْمُشرِكين فنبشت وبالخرب فسوِّيَت، وبالنخل فَقطع، فهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه لا احترام لغير الْمُسلِم.
ويعرف القبر بالشهرة وبكونه في جُملة الْمَقْبَرَة، وبالعَلاَمات التي توجد فيه من اللحد ونصب اللَّبِن ووضع الأحجار فوقه، وَلَمْ يعتبر أبو نبهان -رحمة الله عليه- شيئا من هَذِه الدلائل /465/ إِلاَّ البيِّنة والشهرة الصَّحِيحة لا شبهة فيها. قيل له: أليست الْحجارة الْمدوَّرة عَلَيهِ والْمنصوبة فيه دليلا عَلَى أَنَّه قبر؟ قال: لا يبين لي ذَلِكَ في حكمه. قيل له: فإن وجد عَلَى حجارته مكتوبا: "هذا قبر فلان أو فلانة؟ " قال: لا يَحجر الْمَوضِع بذَلِكَ؛ لأَنَّه ليس بِحجَّة.
وهذا إِنَّمَا قاله فيمن وجد ذَلِكَ في أرض يَملكها؛ لأَنَّ الْملك ثابت قطعا،