الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٧هَذِهِ الأُصُول الثلاثة، وإن كان استنادُه ظنِّيًا، إذ مَا عدَا الثلاثَة ليسَ بشرعٍ، وليس لأحدٍ من البشرِ أن يأتِيَ بشرع مِن قِبَل نفسِه. فأمَّا إِذَا استندَ الرأيُ عَلَى شَيْءٍ من هَذِهِ الأُصُول فَهو ثَابت صحيحٌ عندنا، خلافًا لِمَن منعَ مُطلقا.
ويدلُّ عَلَى صحَّتِه قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾، إذ لاَ مَعنَى لردِّ ذَلِكَ الشيءِ المتنازَعِ فِيه إِلاَّ قِياسه عَلَى مَا رُدَّ عَلَيهِ، وقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فَفي ذِكر الردِّ والاستنباطِ إشارَة إِلَى ثبوتِ القياس والرأي نَتيجَة القياسِ، وَفي الخبرِ عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سُئِل عَن قُبلَةِ الصائمِ فقَال - عَلَيهِ الصلاَة وَالسلاَمُ -: «أرأيتَ لَو تَمضمَضت بالماءِ ثُمَّ مَجَجتَه … الحديث». قال الفخر: يَعني: أَنَّ المضمضَة مُقدِّمة الأكل، كما أَنَّ القبلة مُقدِّمة الجماعِ، فكمَا أَنَّ المضمضَة لَم تَنقض الصوم فكذَا القُبلَة، ولَمَّا سَألته الخثعَميَّة عَن الحجِّ عَن أبيهَا فقَال - عَلَيهِ الصلاَة وَالسلاَمُ -: «أَرأَيت لَو كَان عَلَى أَبيكِ دين فقَضيتِهِ عَنه هَل يُجزِئ؟» فقالَت: "نعم"، قالَ - عَلَيهِ الصلاَة وَالسلاَمُ -: «فَدَينٌ الله أحقُّ بالقضَاء». وَفي الأثرِ عَن عمر - رضي الله عنه - أَنَّهُ قال: "اعرِف الأشياءَ والنظائِرَ وقِس الأمورَ برأيك"، وَالله أعلَم.