معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٩

فرواية عائشة وهذه الآثار عن الصحابة مؤيِّدة للذي احتَجّ به أرباب هذا القول، وحَملوا عَلَيْهِ مَعنَى الآية.

واختار أبو مُحَمَّد القول بأنَّ الْجُنُب عَلَيْهِ أن يَتَوَضَّأَ للصلاة، ولا يُجزِئُه الغُسْل لذَلِكَ، وَاحتَجّ بأنَّ الْجُنُب عَلَيْهِ فرض الطهارة من الْحدث، وفرض الاغتسال من الْجَنَابَة، فلا يَخرج منهما إِلاَّ بفعلهما؛ لأَنَّه متعبَّد بإتيانهما إذا قام إلى الصلاة وأراد فعلها، وإذا كان مأمورا بإنفاذ عبادتين قد خوطب في الكتاب بفعلهما لَمْ يكن مؤدِّيا لَهما إِلاَّ بإتيانِهما؛ لقول الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ ثُمَّ قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾، فالْمَأمُور به في الآية فرضان لِمن كان جنبا، وهما: التَّطَهُّر، والوضوء، وفرض واحد لِمن كان مُحدثاً غير جنب وهو الوضوء؛ فإذا فعل الْجُنُب أحد الفرضين لا يسقط عنه الفرض الآخر إذ لاَ بُدَّ من امتثال الفرضين معاً.

سلَّمنا أنَّ الْجُنُب مأمور بالتَّطَهُّر فأين الدليل الذي أسقط عنه فرض الوضوء، مع دخوله تَحت عموم الخطاب الذي فيه الأمر بالوضوء، ولا بدع في تعدُّد الفروض عَلَى الرجل الواحد بتعدُّد أسبابِها، ولا تتعدَّد عَلَى غيره لسقوط بعض الأسباب، فإذا تعدَّد فرضان عَلَى رجل واحد لا يصحُّ له أن يترك أحدهما لِفعله الفرض الآخر. فهذا حاصل ما يَحتج به أبو محمد مع زيادة وتَحرير.

وأقول: إن صحَّت الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآثار الْمنقولة في ذَلِكَ عن الصحابة، لزم أبا مُحَمَّد أن يترك اختياره إلى ما صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم -، وَإِلاَّ فاستدلال أبي مُحَمَّد مستقيم

٦٨٩ / ٥٬٣٨٩