مناهج التشريع لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢٦أصول الفقه ونشأت علوم العربية، وكان الباحث فيما يتعلق بدلالة الشرعية على الأحكام الشرعية بحاجة إلى أن يدرس هذه العلوم المختلفة، إذ دون دراستها لا يمكن أن يحصل على طائل، فإن غاية ما يتوصل إليه إن لم يدرس هذه العلوم أن ينقل ما سمع فقط، من غير أن يدرك أبعاد هذه الدلالات الشرعية التي تستفاد من هذه الأدلة الشرعية، ولذلك حرص العلماء المحققون على الربط بين الفروع والأصول وبين الأدلة والأحكام ليصل الإنسان إلى فهم الحكم الشرعي عن وعي تامٍ وإدراك ثابت، فهناك القواعد العديدة التي وضعها الأصوليون فيما يتعلق بالأدلة الشرعية والجمع بينها، هذه القواعد لا بد من دراستها بجانب دراسة ثبوت النصوص الشرعية عندما تكون هذه النصوص غير الكتاب، أي بجانب دراسة علم الروايات، فمن هذه القواعد من الشعوب الأخرى من اعتنى بهذه اللغة لغة القرآن الكريم ولغة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من عناية العرب، فالذين بحثوا فنون هذه اللغة ودرسوا علومها وحرصوا على تحصيل اشتقاقاتها، معظمهم كانوا من غير العرب، كما هو معلوم ردّ العام إلى الخاص، والمطلق إلى المقيد، والمجمل إلى المبين، ثم النظر كذلك في فهم الدلالات، فاللفظ كما يقول علماء الأصول يدل على النظم، إما بعبارته وإما بإشارته وإما بدلالته واقتضائه، وقد حرصوا كل الحرص على إيضاح ذلك كله للطلبة حتى يكون هؤلاء الطلبة على بينة من أمرهم، وأُلفت في ذلك المؤلفات الكثيرة، ونحن عندما نرجع إلى استنباطات الأحكام الشرعية نجد أن العلماء كانوا في منتهى الدقة في مراعاة هذه الأصول التي عوّلوا عليها بجانب مراعاتهم أيضاً لدلالات اللغة العربية فعندما يقع الحوار والنقاش بين العلماء أنفسهم في القضايا الخلافية التي لا يجمع فيها على رأي يرجعون إلى هذا التقعيد الذي عولوا عليه، وإن كانت هناك بعض القواعد وقع فيها الاختلاف بين أهل العلم، ولكن ذلك لا يضير ألئك الباحثين في هذه المسائل