مناهج التشريع الإسلامي (ومناهج البحث العلمي عند علماء المسلمين) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مناهج التشريع لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٢٨

… كنت يوماً بالبيت المقدس طهره الله بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يُلقي علينا الدرس في يوم الجمعة فبينا نحن كذلك، إذ ظهر علينا رجل بهي المنظر عليه أطمار، فسلم تسليم العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاع، فقال القاضي مَزْ السيد؟ فقال: رجل سلبه الشطار أمس، وأنا من أهل صاغان من طلبة العلم ومقصدي هذا الحرم المقدس. فقال: سلوه؟ على عادتهم في إكرام العلماء بالمبادرة بالسؤال، فوقعت القرعة على مسألة الكافر إذا لجأ إلى الحرم هل يقتل؟ فأجاب بأنه لا يُقتل، فطُولب بالدليل، فقال الدليل قوله تعالى: ((ولا تُقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه)) فالآية فيها قراءتان، الأولى (لا تقاتلوهم) وهي نص في الموضوع، والثانية (لا تقاتلوهم) وهي دالة على النهي عن القتل لأن المقاتلة التي هي سبب القتل، ولئن امتنع السبب امتنع المسبب من باب أولى، فقال القاضي منتصراً لمذهب مالك والشافعي وإن لم يقر رأيهما، هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)) فأجاب هذا لا يليق بمنصب القاضي مع جلالة علمه، فإن الآية التي احتججت بها خاصة، والآية التي اعترضت بها عامة، والخاص لا ينسخه العام، فبهت القاضي من سرعة جوابه، وهذا من غريب الكلام.

٢٨ / ٤٠