مناهج التشريع الإسلامي (ومناهج البحث العلمي عند علماء المسلمين) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مناهج التشريع لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٢٩

… فنحن عندما ننظر إلى المشهور مثلاً عند الحنفية من ناحية حكم العام نجد أن المشهور عندهم أنه قطعي الدلالة، ولذلك ينسخ الخاص إن تأخر عنه، بينما الجمهور يرون أن الخاص هو قطعي الدلالة وأن العام ظنيها- وإن كان قطعي المتن-، وعلى هذا فإن تأخر العام على الخاص فإن الخاص يقضي على عمومه ولا يفيد تأخيره شيئاً في جعله ناسخاً لتلك النصوص بذلك الدليل الخاص،ولكن في هذه المسألة نجد الحنفية الذين يمنعون من المقاتلة في المسجد الحرام ويمنعون أيضاً من قتل من وجب عليهم القتل إن لجأوا إلى المسجد الحرام،فرعوا على أصل غير الأصل الشائع عندهم،ففرعوا على أصل معتمد عند الجمهور،وهو كون العام ظني الدلالة والخاص قطعيها فيقدم الخاص على العام،سواء كان الخاص متأخراً أو كان العام متأخراً،والشافعية والمالكية أصولهم تقتضي بأن الخاص يجب تقديمه سواء تقدم أو تأخر، ولكنهم مع ذلك ذهبوا إلى النسخ في هذا الحكم، وقالوا بأن قوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)) منسوخ بآية التوبة ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)) ومما يعجب منه أيضاً، والشيء بالشيء يذكر،أن ترى العلامة الكبير الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير عندما تعرض لهذه المسألة وحاول أن ينتصر للرأي الذي ذهبت إليه المالكية قال قولاً عجيباً،قال بأن هذا الذي ذكره الصاغاني في رده على القاضي أبي عقبة الحنفي في هذا النقاش والحوار، ليس مسلّما فإن العام يمنع من نسخ الخاص إن لم يسبق العمل بالخاص،أما بعد العمل بالخاص،فإنه يعدُّ ناسخاً في هذه الحالة والبيان يكون بأشياء، فالبيان يكون تارة بالعقل ويكون تارة بالنص،والنص إما أن يكون كتاباً أو سنة والإجماع أيضاً يأتي بالبيان، لأن الإجماع لا بد من أن يعتمد على دليل، يقول الإمام السالمي في شمس الأصول:

وقد يجي البيان بالمعقول

وقد يجيء من جانب المنقولِ

٢٩ / ٤٠