حال المخطوطات في المكتبات الخاصة بشمال الصحراء لعمر لقمان
الجزء ١ · صفحة ٢فهي وصفية تحسيسيَّة لوقت نحن أحوج فيه إلى تحسيس واستنفار، أكثر مما نحن أحوج فيه إلى ترداد زفرات واستنكار. فلكي ألبي طلب مخبر المخطوطات بالمساهمة بمحاضرة في الموضوع، أُراني عاجزا لأمرين:
- عاجزا عن رد الطلب الجميل.
- وعاجزا عن أن أفِيَ بحقِّ المقصد النبيل.
و ما زرناه من مكتبات في جنوب الجزائر على طرق القوافل، من ملُّوكه، المطارفة، أدرار،
وفي وسطها: غرداية، مليكة، بني يزجن، العطف، بنورة، بريان، القرارة.
وفي شرقها: وارجلان، عجاجة، نقوسة، تماسين، المغيَّر.
قد يعد كافيًّا كي يكوِّن نماذج لأغلب خزاناتنا بشمال صحراء الجزائر، وما آلت إليه المخطوطات، مع الظروف الصحراوية، وما تتسم به من صفات.
ولاشك أنَّ النوايا الحسنة تحدونا، وأنَّ حبَّنا لتراثنا الإسلامي يفوق التَّصَوُّر. لَكِنَّ طريقة الوصول إلى الحل تحتاج إلى تروٍّ وحكمة بالغة. واسترداد ما ضاع من خارج وطننا يحتاج إلى بدء سريع، ونفَس طويل، وبذل مال، ووقفة رجال. لو ستنطقنا المخطوطات الموجودة الآن نفسها لكشفت عن أعداد هائلة من المخطوطات لم يبق منها إلا العنوان، وقد ضاعت في عهدها فضلا عما ضاع بعدها.
لقد ضيع المسلمون بأيديهم مكتبات بكاملها. فمن أغار على غيره، شتت أنصاره، وغوَّر آباره، وأجتثَّ أشجاره، وأحرق الأخضر واليابس، غير عابئ بوعيد الله، وغير قابل اختلافه في رأيه وفتواه.
كما تلاعبت أيدي المستشرقين بالتراث الإسلامي، فهرَّبت الكثير، قصد استلابٍ حضاريٍّ، فأخفت أروع المؤلفات في مكتباتها، وأحكمت عليها بالأرتاج، في أماكن لا ترى النور، ولا يستفيد منها إلا من سمحوا له بذلك بعد أن يجعلوا له عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
كما زادت العوامل الطبيعية في الصحراء من إيذائها للموروث الحضاريِّ فلم يبق منه إلا النزر اليسير، نحن أحوج ما نكون إلى الوفاء به، وحبِّه، والتعلق به، فضلا أن نزيد له تلفا، ولأهله إجحافا.