فهارس شرح النيل جمعية التراث

فهارس شرح النيل

الجزء ١ · صفحة ٣٧٤

وهنا نجد أنّ الشيخ قد أغفل وسيلة السفر إلى بعض المراكز العلميّة كالزيتونة في تونس والأزهر في مصر؛ وقد سبقه غيره إلى ذلك، فما سبب إغفاله هذا الجانب، وهو الذي كان يحرص على التعلّم والتحصيل؟ إنّ معرفتنا بظروف الشيخ اطفيش وأوضاع عصره وبيئته تجعلنا نعتقد أنّه لم يستغن بما وجده في وادي ميزاب؛ ولم يره كافيا، بل تطلّع إلى ما في غيره، ولو وجد فرصة للاستزادة لما تركها، ولكن صرفته عن ذلك حال اليتم والفقر في صغره وموقف الاستعمار الذي قيّد تنقّلاته وحصره في نطاق مكانيّ ضيّق لا يتجاوز وادي ميزاب، والسبب الأهمّ من كل هذا هو تطلّع الشيخ اطفيش نفسه إلى إقامة نهضة بوادي ميزاب، ونشر العلم فيه، واتخّذ التدريس وسيلة لذلك وباشره منذ وقت مبكر، فصرفه عن التنقّل والارتحال لأنّه عمل يتطلب الحضور الفعليّ والاستمرار؛ ونلاحظ أنّ الشيخ قد حاول تعويض ذلك بالرحلات وإن كانت قليلة خاصّة منها الحجازيّتان اللتان أثّرتا كثيرا عليه واستفاد منهما.

2 - مكانته العِلمِيَّة

يمكننا إدراك مكانة الشيخ اطفيش من خلال معرفة تصوّره لدوره في الحياة، وطموحه إلى التغيير فيها، والعلم بعلاقته واتّصاله بأهل العلم أو السياسة في زمانه.

أ - تطلُّعه إلى التجديد:

مع انتهاء القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر الهجريّين أظهر الشيخ اطفيش رغبة صادقة في أن يكون المجدّد للدين في عصره(1) ، ودفعه إلى هذا الأمل وإلى العمل على تحقيقه أمران: الأوّل: الواقع الذي عاشه، وأوضاع الأمّة الإسلاميّة سياسيّا واجتماعيّا وفكريّا، وقد عبّر عن هذا الشعور بقوله: «قلت قد بلي هذا الدين فاسألوا الله تعالى أن يجعلني له مجدّدا ولأحواله مسدّدا ولما خفّ منه مشدّدا»(2) ؛ وقوله:

(1) … القطب: الرد على العقبي: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ: 12.

(2) … القطب: خطبتا العيدين: 11.

٣٧٤ / ٤٠٧